حسين القاصد
يستغرب أغلب الذين يعرفونني وحتى من لا يعرفني منهم، يستغربون من سرّ اندفاعي وتفرغي لمتابعة كل تفاصيل هذه الحرب، وأن كيف لأستاذ جامعي وشاعر وناقد أن يترك همه العلمي جانبا وينشغل بما هو من اختصاص غيره؟ وهو استغراب إيجابي رافقه الثناء الذي اشكر اجميع عليه، مع أني لم أسع إليه ولم يكن هو غايتي، أعني الثناء.
أما سرُّ الاستغراب فمنبعه أننا في زمن صار لنا أن نرى الإنهمام بالآخرين أمراً يستحق الثناء والإشارة، مثله مثل أن تشكر أحدهم لصدقه ووفائه وأمانته ونبله، وهي كلها من شروط الأنسنة، لكنها صارت نادرة بعد سيادة الكذب والنفاق والغدر والخسة.
بعض الأحبة قارنني بالمحللين الكرام الذين صمتوا بل تحولت بوصلة خطابهم بتحول طموحات قادتهم، وهنا يجب أن أنوه بأني أفكر وأكتب وأنطق على نفقتي الخاصة ونفقة تفكيري الحر وعافيتي المسكينة، ولست مبرمجا ولا أتقاضى أجراً على صوتي، وبهذا ليس لأحد أن يستعمر فكرتي.
محللو خط المقاومة أغلبهم محللو أحزاب، لذلك هم مأمورون ومحكومون بطموحات مموليهم، وأنا لم يسبق لي أن خضت بالتهريج والتراشق الذي يسمونه ،جزافا، تحليلاً سياسياً، لذلك دارت بوصلة المحللين الكرام بدوران طموح سادتهم اللئام، وذلك رزقهم.
أنا ناقد ثقافي، وقبل هذه الحرب بستة أشهر أكلت رأسي وهيمنت على تفكيري فكرة كتاب جديد كان له أن يظهر هذه الأيام لولا اندلاع هذه الحرب، والكتاب، كما أزعم وأخطط، هو نظرية عربية جديدة في اللسانيات والأدب ونقده، سيعلن عنه أن أبقاني الله على قيد العراق، والعراق هو الحياة معنىً وقيمة.
قلت: أنا ناقد ثقافي كما أزعم، وهنا لي أن أتذكر مقولة هي بمثابة الوصية، لعميد الأدب العراقي العلامة د. علي جواد الطاهر، بأن النقد ليس له أن يظل حبيس الجامعة لأن القيد الأكاديمي يحكمه؛ وأتذكر كيف أن (الطاهر العظيم) في مهرجان المربد، ثمانينات القرن الماضي، وكانت قبضة السلطة مرعبة، لكن أستاذنا الطاهر أحرج ( عبد الوهاب البياتي) حين أحصي كلمة ( رفيق) ومشتقاتها في أحد دواوين الشاعر البياتي؛ وهي شرارة انتفعت منها أنا حين طرحت فكرة ( اغتصاب اللغة ايدلوجيا) منطلقا وموثقا التفاتة أستاذنا الطاهر.
ما الذي يجبر أستاذاً بمنزلة علي جواد الطاهر على دخول منطقة شائكة والتلويح بأن السلطة اغتصبت اللغة، لولا أن الطاهر كان يؤسس من ذلك الحين بل قبله، من يوم اطروحته الدكتوراه في السوربون إلى ما نسميه الآن بالنقد الثقافي، ولولا أنه على يقين بأن اللغة بنت السلطة بل هي سوطها إذا استتدعى الأمر أو وجب ذلك، وهو من النادر أن لا يجب!!.ليس للأستاذ الجامعي أن يبتعد عن قضايا الأمة ويعمل لأغراض الراتب، ويتحول إلى حصّالة نقود لأسرته ويترك عقله في الصندوق الذي يحفظ فيه شهادته الجامعية، وليس للناقد الثقافي أن ينسى أن النقد الثقافي نقدٌ ثائرٌ على عكس النقد الأدبي البيداغوحي المدرسي المدجن بفتح الجيم وكسرها، ليس له أعني الناقد الثقافي أن يجلس مكتوف التفكير وسياط الخطاب السياسي المخاتل تجلد رأسه.
كنت قبل اندلاع هذه الحرب الوجودية قد لملمت جذاذات كتابي آنف الذكر، لكن حشود البر والبحر حاصرت رأسي، و حاصرت حتى البحر الميت رحمه الله، وهذا يعني أن على وعيي أن لا يموت بأنساق المخاتلة التي يمارسها المحللون الأجراء، لذلك تركت كل المصادر والجذاذات وما إلى ذلك، في أكثر من مكان من الحاسبة والهاتف خشية أن يطول أمد هذه الحرب، وتفرغت جداً لكي أفكك للأحبة الخطابات المريبة التي تخرج الإنسان من حريته وتأخذه أسيراً مسلوب التفكير، سعيداً بما انخدع به.
و رحم الله أبا الطيب حين قال:كل عيشٍ ما لم تطبهُ حِمامٌكل شمسٍ ما لم تكنها ظلامُ
٤ / ٣ / ٢٠٢٦