18 Jun
18Jun

حسين القاصد

  تشي كلمة (التواطؤ) كأنها تهمة وليست تهمة، في آن واحد، فهي تهمة بسبب شيوعها صفة يراد بها الذم من توجه له، وهذا الأمر بسبب شيوعها في التداول السياسي، كأن يقال: إن فلاناً متواطئ مع العدو؛ لكننا نتواطأ مع الطبيب لإجراء عملية جراحية قد تعد مجازفة وتهدد حياة المرء بالموت. 

والتواطؤ بشكله السياسي هو الصمت على ما يتعرض له مجموعة من البشر لكي يمرر الأذى الذي يريده العدو؛ لكن في الندية الودية التي عمودها الكرامة والمبادئ وكل المُثل القابلة للادعاء، يكون التواطؤ ألطف وأغزر نفعا، وذلك عندما يضحي المتواطئ الثقافي عن شيء مما يسميه ثوابتاً هو سنّها على نفسه.

  لا عيش ولا حياة سوية من دون مشتركات،  لكن الإنسان مجبول على الصراع والعيش في ساحة الأمور المختلف فيها؛ والصلح أوله تواطؤ ونتيجته توافق تام واتفاق؛ لذلك لنا أن نقول أن المرء متواطئ لا إراديا على تشجيع فريق كرة القدم حتى لو خسر هذا الفريق مئات المرات،  وهو متواطئ على أداء الامتحان حتى لو كان الأستاذ عدوه، ففي حال فوز فريق كرة القدم يتذكر المتواطئ الأغنية التي يرددها الجماهير ويجد نفسه واحداً منهم؛ بل على العكس من ذلك في حال خسارة الفريق سيجد نفسه متواطئا بتأثير الضغط الجمعي وينهال على الفريق بالشتائم إذا خسر؛ أما في أداء الامتحان فالنجاح الهدف، والطريق بين الموافقة على الامتحان والنجاح هو عمر التواطؤ، ونتيجة الامتحان تنهي عمر التواطؤ، فإذا كانت إيجابية مكللة بالنجاح سيكون القطاف ثميناً، وتنتهي الكراهية المفخخة بين التلميذ والأستاذ، وتبدأ حياة ما بعد القطاف، حياة النجاح، التي أنضجت علاقة  جديدة بين التلميذ والجامعة .

   نسق الترغيب هو الفاعل الثقافي في التواطؤ، لأنك قد تخضع لجميع المنومات الثقافية من دون أن تشعر، فحتى في تناول الطعام الذي قد تكون غير راغب فيه، يتم إغراؤك بفخامة المكان/ المطعم، وأنواع المقبلات، فتجد نفسك في تحول جديد سببه الترغيب الذي طالما يمرر بالإغراء. المرأة حين تضع المكياج فهي تتواطأ مع طموحها بالظهور بأفضل ما تريد، والترغيب يشترط إخفاء موانع الإقبال، والإقبال أول ثمار التواطؤ. البلاغة مكياج النص، وقد قلت ذلك في كتبي ومقالاتي، وهي من أخطر أسلحة الإخضاع للتواطؤ، لأنها تحبب النص وتوجه المتلقي باتجاه ما يريد  المنشئ، ثم تأسره تماما؛ والحجاج الثقافي المدجج بالترغيب هو المهيمن الفاعل، فالتلطف في القول يعد خادعا ثقافيا خطيرا، ولا أخطر من أن يصطبغ فعل الأمر بصبغة الدعاء والالتماس، لأن المتكلم تواطؤ مع المتلقي على نفسه، وتنازل عن الأنا.

  في مجموعتها الشعرية ( قررنا أن نطيل عمر الحب)  التونسية سلوى بن رحومة أنها أنهت الصراع الذي يهدد الحب، وخاضت جولة صراع بين المضي خارج الحب أو التواطؤ ضد ما يهدده، فلوحت بسلاح لغوي مخاتل لتظهر أنها امتلكت القرار، فهي في عنوان مجموعتها لم تطلب الحب، بل قامت بانقلاب لغوي على ما يهدد الحب من نوازع في داخلها، أو في محيطها، أو حتى مع الحبيب المقرر عليه، وليكن قرارا منها فمن ذا يرفض حبا جاء بقرار عليه؟ لأنه بالنتيجة ستنتصر ( سلوى) بحصد مزيد من الحب، وتنتصر بالإغراء اللغوي والمكياج البلاغي، ثم بعد ذلك سينتصر الحبيب المقرر عليه، ويطول عمر الحب.

 تنتمي المجوعة إلى ما لنا أن نسميه بالوجبات السريعة، أعني: فئة "كتب الجيب" أو الدواوين الصغيرة،  تماشيا مع هذا الزمن الالكتروني الذي لا يصبر على الكتابة المطولة، وهو اختيار مادي يضفي حميمية على القراءة ويسهل تنقل النص مع القارئ، بما يتوازى مع ثيمات الحب اليومي والذاتي التي تطرحها سلوى:تبدأ مجموعتها مقدمة نثرية شديدة الكثافة الثقافية: "أعتقد أنه علينا أن نؤصل دعائم أكبر للحب، كأن نفكر في نشيد رسمي للحب ولم لا علماً للحب لكل بلد".

وهي مجاورة نسقية مع المفاهيم السياسية: إذ تحاول مقاومة الجفاف المهيمن العصر عبر استعارة أدوات "الدولة الحديثة" و"المؤسسة" (النشيد الرسمي، العلم، الإمضاء) لإسقاطها على العاطفة الحرة؛ وهذا يتسق قولها ( قررنا) لأن هذا القرار في من القوة المتناصة مع الأوامر السياسية، وبعد تنفيذ القرار سيعلن نشيد الحب بكل تفاصيله اللذيذة، بل ترفع الراية، راية الجسد، وراية انتصار اللذة.وفي قصيدة "قررنا أن نطيل عمر الحب"، يظهر طقس المواطئ الثقافي  بكل أدواته وأثاثه الترغيبي(الفستان الأبيض، الزغرودة، إمضاء العقد) بوصفه لحظة قطاف وها هي تدخل الطقس المواطئ:

فتحت ستائر عيني

 لتطل على قلبك وتحكيلي

 فقالت بأن الحب

 لن يقتله امضاء

ولا قبلة قبل الحين 

إنها لحظة اقتحام القرار،  المرأة تتفحص كل شيء، ففي البدء تنظر وترى كل شيء قبل أن تغط في عوالم الحلم واللذة، وبعد أن أجابها هاجسها  أغمضت عينيها واطمأنت:

اسدلت ستائر عيني 

واطمأن قلبي وشفتي 

واستسلمت ليقيني

 وعشت أجمل لحظات العمر

 عروس في حالة تقبيل

 كنت أفكر في صمتي

 اسدلت ستائر عيني

 سلمتك قلبي وشفتي

 خفت كثيرا في يومي 

هل يتغير لون الحلم

 بعد الإمضاء بأسفله

 هي لحظة تنفيذ القرار بكل تفاصيله، لكنها لا تريده مؤسساتيا ينفذ لمرة واحدة؛ فلا أخطر من القلق على لحظة ثمينة حين تمر، وتنتهي بالإمضاء، وقد قامت ( سلوى) بترحيل الإمضاء الكتابي إلى الإمضاء الجسدي، وقد حددت المكان الذي طالما تنتهي العلاقات فيه بعد الإمضاء؛ لذلك هي قلقة جدا على قصر لحظة الحب، الذي ينتهي بإمضاء نهاية اللقاء


لا تفتأ سلوى من التلويح بالإغراء والحث على الاقتحام وكسر الموانع، فهي في أغلب نصوصها ضد تسليع الموانع من وقار وجدران اجتماعية، تلك التي تنهار عند أقرب اجتياح ترغيبي فتمارس ما يسميه النقد النسوي بالكتابة الجسدية لتواجه قضبان الموروث الذي يفرض قضبانا على جسد المرأة الذي هو أخطر أسلحتها:

مكانك الليلة على المهد حذوي 

تنظر الي بكل عيونك 

فلا تكف عينٌ .. لعد خصالي 

حذار صديقي 

بريء الكلام تحول نارا
فاهرب إذا خفت حبي

 وان كنت تعشق النار 

تعال نحطم جدار الوقار


هي ليست شريكة مجتمعها بالوقار، ولا شريكة حبيبها الذي تناديه صديقها، لكنها قالت: ( نحطم) كي تتم التواطؤ الثقافي، فالتواطؤ لا يتم إلا بوجود آخر، وهنا وبأسلحة الإغراء والترغيب تدعوه للتواطؤ.إن ثقافة استنزاف اللحظة لم تغب في هذه المجموعة الشعرية، ففي قصيدة "وقت مستقطع"، يظهر فضاء المقاهي الحديثة :النادل، القهوة، «لطاولة، كفضاء ثقافي بديل يسمح بالانفلات المؤقت من صرامة الزمن الإنتاجي.تتحول جزيئية طلب القهوة وحضور الطرف الثالث (النادل والخجل) من تجاوز العُرف إلى لوحة ثقافية/ فنية، تعكس كيف يراقب المجتمع الفرد حتى في لحظات خلوته الاستثنائية، ليتحول "الوقت المستقطع" إلى أداة مقاومة ضد روتين الحياة.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن