حسين القاصد
حين قال أبو الطيب المتنبي:
وَضــاقَتِ الأَرضُ حَتّــى كـانَ هـارِبُهُم
إِذا رَأى غَيـــرَ شــَيءٍ ظَنَّــهُ رَجُلا
كان بصدد حادثة آنيّة، وكان يصف الأعداء، لكنه أصاب الهاجس بمقتل، لأن الأشياء الخفيّة مخيفة، ولها قدرة هائلة بل غير محدودة لأن أول أهدافها التفكير، فهي تصيب العقل وتشل الفكرة.وبيت المتنبي إيكلوجي بامتياز، ألم يكن أعظم هول عند كعب بن زهير هو الفيلُ، في قوله:أرى وأسمع ما لو يسمع الفيلُ؟والفيل مما يُرى لكنه بقي مؤسطرا لدي العرب بل لدى الإنسان إلى أن تمكن منه.
وقد استحضره كعب بن زهير ليعلن أنه في لحظة خوف ترعب حتى الفيل.
قلت الفيل مما يرى، لكن غير الشيء لدى المتنبي كثيف الغياب والحضور معاً، غاب كنهاً وحضر كأنه رجل عدو!!.الشبح اللساني يتجسد إسقاطياً، حين نقوم بتجسيده مخيفا،أو عظيماً أو حتى مقدساً.
في بيت للشاعر العراقي سراج محمد يقول فيه:تغيبين مثل الله مثل وجودهوما أعظم الأشياء عند غيابها.معنى وجودي عميق وفيه ثمنية الغائب، وعظمة حضوره الشبحي، لكن سراج محمد لفت انتباهنا إلى لسان الغياب الضاغط بالحضور الذهني الذي ليس له أن يتحقق في حقل اللسانيات العرفانية، بل هي لسانيات الاحتياج الوجودي المحمي بالغيبي أو من الغيبي.
الوصايا لسانيات غاب صاحبها فصار لها رتبة القداسة، ومثل ذلك المقولات القامعة، لأن قائلها غير موجود لكنها حاكمة بقوة غياب قائلها؛ بل مثل ذلك تكون سطوة الأمثال الشعبية، فهي تحكم من الغياب وتهيمن تماما.
وأنا في تونس الحبيبة وأتابع أخبار العراق وأخبار عدم حضور المرشد الأعلى السيد مجتبى تشييع والده، وتحليلات أعداء الشهيد الصائم، بأن السيد مجتبى استشهد أيضاً؛ حضر بيت سراج محمد في رأسي، ثم استدعى بيت أبي الطيب، ثم أن طائفة من المسلمين يؤمنون بإمامهم الغائب، وكان لهذا الإمام الحضور الوجودي والوجداني في حرب إيران ضد أمريكا والكيان اللقيط؛ في كل هذا انتبهت إلى أن الحضور مألوف، لكن لغير المألوف أو العصى على التفكير يكون أشد حضورا، ومن كل هذا سيبقى غياب السيد مجتبى لغزا محيّرا لعدوه، إن كان حيّا، أو كان راحلا كما يريد أعداؤه.
٤ / ٧ / ٢٠٢٦