حسين القاصد
مثلما أصل اللفظ هو طرد الشيء أو التخلص منه، قبل أن يتسق دلاليا مع النطق ليصبح المنطوق ملفوظاً، ومثلما شاع لدى العراقيين مفردتا الواشي والنمام بمعنى واحد لا سيما في الشعر الشعبي الدارمي، إلى الحد الذي غضضنا تفكيرنا عما يشي بالفرح، مرت كلمة ( علس يعلس) التي تعني مضغ الطعام وهضمه بشيء من التحولات الدلالية لتصبح دالة على الغدر، ومثلها الفعل ( صك) التي تعني أغلق ثم صار استغراقا في الغلق ليصبح موتا ويصبح الصكاك قاتلا بعد أن يصك فم .
ودليلي على أن العلس يعني مضغ الطعام وهضمه بقسوة، تحولت إلى ما يؤدي القتل نلمسه في قوله تعالى ( أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ)
والعلس يتم بين شخصين تجمعهما مودة ونقمة، لأن الغريب تتم مواجهته لا علسه، وأما المودة فمادتها الرغبة في الهضم والطمع في ذلك وأما النقمة فهي مما جبل عليه البشر كما قال أبو الطيب المتنبي:
الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
والعلة هنا من التعليل أو التسويغ الثقافي، والعلل المانعة للظلم قد تكون ديناً أو فكراً أو خلقا نبيلا أو خوفاً.
وقد تعرض قيامة الشعر أبو الطيب لعلاسة لذيذة بقناعته حين قال:
لهوى النُفوسِ سَريرَةٌ لا تُعلَمُ
عَرَضاً نَظَرتُ وَخِلتُ أَنّي أَسلَمُ
ومنه نعرف أن العلاس هو الواشي ولأن السر مغرٍ جدا لذلك يكون البوح به ضاغطا جدا، فإذا كان مدفوع الثمن يدخل في العلاسة التي تسلمه إلى الصكاك.
وخوفا من العلس و الصك قال ابن الشبل البغدادي:
إحفظ لسانك لا تبح بثلاثةٍ
سرٍ ومالٍ ما استطعت ومذهبِ
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثةٍ
بمكفرٍ وبحاسدٍ ومكذب
ولكاتب هذه السطور بيت طمأن من العلاسة فقال:
لا تخش سرك كلب الخوف يحرسه
على شفاه سلالات من الورم.
١٧ / ٣ / ٢٠٢٦