عمارة إبراهيم
اللغة، هي التعبير الأدبي والشعري في منطوقها لعوالم حياتية، خرجت من نبت الفعل وإدراكه والميل لتنفيذه، يتعدد في منطوقها الأدبي، وخاصة في الشعر، حركية الفعل بتطور حاله، كما يتحققفي بلاغته وعمق رؤاه، وإيقاعه، وصوره المتعددة،إلى أن يصل بحركيته إلى مبتغى تفاعله مع الروح، يسمو في منطوق لغة فنية، يختلف باختلاف منطوقها، وتطور بنية أحواله داخل النص الأدبي أو الشعري.
فالشعر بأحواله وتعدد أشكاله ورواتب بنى حضوره، لابد له أن ينتج فنه بنسبية حضور إبداعه، وعليه أن يخرج من رحم - اللغة الفعل-، لأن اللغة خلقها الله للتعبير عن حال الفعل وجوهره،ومن ثم يتوجب علي لغة الفعل الشاعرة، أن تمنح فيض جمالها لهذه الشاعرية التي ترتب لفعل الحال، وعليها أن تخرج منها بضفيرتها وبنائها،من مشحون ماعون موهبة الشاعر حتى تمتليء جنباتها، من تعدد ألوان الثقافات والمعرفة، كما أنها لابد وأن تمتليء خزائنها من فيض بحرها اللا منتهي. ولابد وأن تتفاعل مع تطور أحوالها، عبر زمانفعلها، ومكانه ، كي تستقيم في بناء قالبها الذي يجب أن يتجانس مع هذا التطور الحالي، في بناء زخرفي، أدواته هنا تمثل إبداع التشكيلات، فائقة الجمال التي أنتجته، وهي تختلف من مبدع إلي آخر، حسب ما يملك من فيض المعرفة واللغة، والتعايش الوجداني مع البحر العروضي عبرالموهبة.
من قصيدة إلى أخري، بحسب تواتر بنية الأحوال وتفاعلها النفسي مع الألفاظ التي تتناسب معها، محققة الإيقاع في وحدات عضوية تنسجم مع البنية الكلية داخل القصيدة مع المكونات الجمالية الأخرى التي تحققت وحققت الكثير من أغراضها الشعرية.
واللغة، وهي الناطقة المعبرة عن مكنون الحال الشعري، عليها أن تنتج شكل بنائها في زخرفة تتوافق مع سعي الشاعر نحو تعددية العمل، من خلال بناء يحمل عمقا فلسفيا، أو صوفيا، أو رومانسيا، أو واقعيا، أو من كل هذه المعطيات أو بعضها في نسق عضوي وجمالي واحد داخل النص الواحد، أو النصوص، حسب استدعاءات الحال لاحتياجاته من المخزون الوجداني الذي يتوفر عند شاعر عن الآخر، وبحسب ما تقوم عليه الموهبة من تضفير، داخل النص الشعري عبر الشكل الذي يناسب بنية أحواله ووجدانية العمل التي اتسقت مع هذه البنية الشعرية الوليدة.
وعندما يتعايش الشاعر مع بنية أحواله عبر إيقاع حسابي لبحر عروضي، حفظه بعد الاطلاع على العديد من الأبيات الشعرية له ولغيره، وأصبحت تفعيلاتها التي تجانست واتحدت مع مخزون الشاعر، لتمثل الخميرة التي تمنح المشحون الشعري باقة إيقاع متحدة في تجانس واحد يمثل وحدة عضويته، مع بقية مكونات النص من إيقاع اللغة وإيقاع أحوالها التي عززت مراسم البنية الكلية لمشحون الدفقة الوجدانية التي تحققت في بناء القصيدة.
تتجلي فيها داخل مخازن هذا المشحون الحالي وأثره النفسي، في رصد سماوات الإنسان عبرمنتج فعله؛ فتنتفض تجاربه الوجدانية في عمل الشاعر، ليكون إلهامه الشعري، ومحقق أدوات تجليه، يحلق في فضاءات هذي السماوات وهي تتحلي بواسع وتعدد مدارك الفعل، ليرتقي الشاعر أعلي مراتب التجلي الإنساني، حتي يصل إلي منتج إبداعي في شكله وتنوع مادة أحواله داخل النص الشعري المبدع؛ فيصل إلي المتلقي، في صدمة جمالية، تخرج به من عوالمه العامة، إلي فضاءات عمل سباحة الوجدان في جمال شعريةالإنسان.
هذه الصدمة الجمالية، لابد وأن يتسيدها العمل الوجداني الذي تشبع بدفقة المشحون الشعري، فيبرز منه إيقاع البنية العامة داخل كل نص، يرفع من حجم دهشتها، ويفيض بها من بحر جمالالشعر في تجلي الروح عند استقبالها، حتى تتراقص معها الأبدان.
هذا الإيقاع هو ولادة طبيعية من رحم اللغة الفعل بشقيه، الأول إيقاع اللغة- اللغة، والثاني إيقاع اللغة الفعل، وهو يختلف كليا عن إيقاع ترتيب الكلام من ترتيب الحروف عبر متحركها وساكنها،ترتيبا حسابيا، تصنع منه إيقاعات ذهنية صارمة،تقودها أوزان الخليل بن أحمد الفراهيدي؛ وهي لا يمثل فيها العمل الوجداني من دون حفظ للعديد من الأبيات الموزونة، كي ينسجم الوزن في تداخله مع شحنة المشحون الوجداني.
ينطلق من واقع حركية الأفعال لمشحون دفقة الأحوال، هذا العمل الذي يملك الروح وحركية دم النص الشعري؛ تكون فيه اللغة هي سيد الإيقاع في تجليات عملها الوجداني، من بيان حدوث الفعل وحركيته داخل مشحون الدفقة الشعرية،وليس من واقع تجلي اللغة، بترقيمها الحسابي، لا يتسيدها الفعل بإيقاعه الذي يشق الروح ويرتبها في بهاء مهيب، هذه البنية الشعرية يرسمها الشكل الشعري الذي استحضره شاعرها في بناء القصيدة.
والإيقاع في تجلي أحواله، يقدم عبر منْحته وقدأبرزتها فضاءات حركية أفعال اللغة، ومن اختيار المفردات التي تتشابك معه، لتحقق للفعل تسيده في توفيق شكل يرسمه اللا شعور، يتوافق مع التطور الزمني له، كما أن البيئة التي يتعايش في واقعها الشاعرلابد وأن يكون لها نطفة، تتحقق بثقافتها وطقوس أحوالها، تنتج بنية شعرية، تأثرت من طبيعتها وطقوسها وثقافتها، لإنتاج زخرفه لغوية، لا تملكها غير لغتنا العربية بسبب اتساع شرايين قواميسها، في بناء، تتسيده موهبة الشاعر وهو يسعي الي إبداع نص يختلف عن الآخر حتي يتفرد به عن مثيله.
كانت هذه مقدمتي التي استنهضت فيها حروفي من واقع تجربة الشاعر العراقي حسين القاصد، وقد اخترت هنا نموذجا شعريا، من عدة نماذج قرأتها بتدبر وتأمل، يمثلون مراحل تجربته الواسعة.
أستطيع من خلالها إنتاج البرهان، على أن علاقة حركية الأفعال بالألفاظ الشعرية المختارة، تمثل العمل الشعري الذي يدير بنيتها، تدفق حركية الأفعال داخل المشحون الحالي والنفسي، من واقع أنساق العناصر التي يحددها هذا المشحون عبر دفقة الأحوال، في أنتاج بنية التوزيعات الكلية التي تجمع إيقاع حركية الأفعال مع إيقاع المفردات الشعرية التي حددتها حاسة العمل داخل وجدانية الشاعر. تستطيع أن تقدم منطوقها الإيقاعي في وحدته وانسجاميته مع الألفاظ التي اشتبكت معه، حتى تنصهر في وحدة إيقاعية واحدة، تبرزها إيقاعات النصوص الشعرية المكتملة في انسجامها وتفاعلها، وهي تنفتح على فضاءات عملها الوجداني، لتتحقق بنيتها مع بنية أحوالها الجامعة، مع إيقاع الألفاظ الشعرية المختارة، لتعمل وفق مرسوم واحد، داخل ماعونها الوجداني.
تمثل فيها حركية أفعال مشحون دفقتها الشعرية الوجدانية الكاملة، بنية الإيقاع الكلي المتحد في عضويته من دون نشاز ولا من دون خروج عن الأنساق الدلالية التي منحت هذه الوحدة عضويتها وسر جمال بنيتها، لتقدم فيها مسارات العمل الشعري تكاملية العمل، في وحدة كلية جامعة بين إيقاع اللغة وإيقاع حركية الفعل داخل دفقة مشحون أحوالها.
تنصهر اللغة وإيقاعاتها في تداخليات البنية الحالية التي فرضتها أحوال النص، ومن ثم في مجمل التجربة الشعرية بخبراتها الطويلة لدى الشاعر، من خلال المكونات المستخدمة، في إعادة ترتيب الواقع الكاذب الذي يؤرقه، والذي يعمل وفق مقتضيات احتياجاته النفسية وأثرها في عمله، ليبرز هذا العالم في ماديته البشعة، من دون حسابات أو خطط إنسانية، تبقي علي القيم التي تخالف عقيدته المزيفة التي رصدها الشاعر في القصيدة.
مستلهما تراثه الإنساني العربي، كي يحافظ على فطرة التعايش السلمي الذي يجمع الوحدة الشعبية والسياسية في بلده العراق في بنية واحدة.
وكأن هذا الواقع يعمل وفق منظور تمثيلي، لا يقبل واقع الأنسنة ولا الحياة المشتركة التي تجمعهم. وكأن هذا الواقع يمثل العمل الذي تشيعت منه دموية رأس الحسين، وأصبحت تمثل صوت الضمير الإنساني الذي يجب أن يعمل على وحدة الأمة في واقعها الذي أصبح لا يمثل غير الواقع الافتراضي، الذي يديره عمل إنتاج استعارة دم رأس الحسين وأحوال الألم العام الذي سيطر على كل شيء يقارع واقعه.
لتكون للغة الفعل هنا تسيدها، بعدما أختار ألفاظه المنسجمة مع وحدة عمل حركية أفعالها، عبر مشحون دفقة الأحوال التي يتحقق منها بنية عمل إيقاعي هو ابن هذه الوحدة التي جمعت لغة الفعل مع ما يناسب مشحونها النفسي الذي سيطر علي البنية في شقيها اللفظي والإيقاعي، مع الشق الدلالي.
يقول الشاعر في القصيدة التي اخترتها، لتمثل تجربة الشاعر في مبحثي بعنوان ،"أركض تركض الأرض".
دمٌ تدلى بلا رأس فصار فما
وليس للرأس صوتٌ كي يصيح لِما
دمٌ يسير بلا صوتٍ، فوجهته
رأسٌ غريبٌ وكان التيه بينهما
دمٌ بطول فرات الله، كان له
حقُ الجفاف، ولكنّ الفرات نما
دمٌ ورأسٌ يحزّ الشوق عنقهما
وكان بينهما ماصار بينهما
يحاول الشاعر رسم بنايات واقع عوالم كتابته من دم الرأس التي لم يبق منها غير نزف الأوجاع، وقد انهمر في مياه صارت فرات الله بلا صوت، والإشارة هنا ترمي بدلالتها على أرض كربلاء التي لم تزل منها عوامل التيه بطول دم الفرات ورأس الحسين التي أريقت من نزف دمها الأرض التي صارت؛ فصار النبت فيها يحز الشوق من دون صوت لوجهته الطالعة برأس غريب وكان التيه بينهما.
ثم يربط الشاعر هذه العوالم بعلاقاتها وتداعياتها بضمير المتكلم/ الشاعر الذي عاش طفولته وثقافته وعلومه وشاعريته على هذا الواقع الذي تأسس على منهجية تأريخية تؤرخ للذي يمثله من ألف عام وما برحه حتى صار يكبره.
وقد ارتبطت بنية أحوال القصيدة في مجملها ببنية إيقاع البحر الشعري، حيث انصهرت تفعيلات بحر البسيط الذي قامت على تفعيلاته القصيدة تقريبا، وأقول تقريبا بسبب عدم الذهاب إلى كتاب العروض، لأقطع الأبيات على ساكنها ومتحركها، حتى أحدد تفعيلات البحر بدقة.
غير أنني اعتمدت بسرعة على ذائقة استقبالي للإيقاع الخليلي من دون ضرورة فنية، عما إذا كانت التفعيلة الرئيس تمثل البسيط أو الكامل أو حتى غيرهما؛ فالأهم عندي هو كيفية انسجام تفعيلات البحر الشعري مع الإيقاع الذي بنته وجدانية أحوال النص من مشحون الدفقة الوجدانية في القصيدة.
أيضا إيقاع الألفاظ المنسجمة في تشكيلاتها الشعرية التي تديرها حركية الأفعال، مع تدويرات القافية، وتلاعب مزاجية الشاعر بحروف الروي في نهاية صدر البيت وعجزه، منتجا منها بنية أخرى مكملة، لم أستطع تحديدها، لكنني أرى إنها تمثل التلاعب اللفظي الذي يحققه الشاعر من واسع قاموسه الشعري، ومن واقع خبراته الشعرية، لإنتاج دهشة شعرية تجعل متلقيها في حالة صدمة إيجابية، تتشبع منها مزاجية المتلقي عند استقباله أو قراءته للقصيدة. ورغم أن بناية القصيدة على نظام السطر وليس صدر البيت وعجزه قد التزمت في عملها الذي يبدو تقليديا، وهو ليس تقليديا بالمرة، غير أن اللفظ الأخير، الذي نسميه القافية قد حقق في نهاية الدفقة الشعرية عند كل توقف براعة لدى الشاعر، قد حققت مداورة جمالية في البنية اللفظية التي أجاد فيها الشاعر، مع الإنسجام العضوي بينها وبين البنية الإيقاعية التي رسمت مسارات تفاعلها، حركية الأفعال لدفقة العمل الوجداني، رغم التزامه بنسق الوزن الإيقاعي العروضي الذي انسجم مع الوحدة الإيقاعية الكلية في القصيدة، وهي تمثل النظام العمودي.
وقد حددت البنية الوجدانية ماهيات التطور في البنى وفي الإيقاع وفي التشكيل الشعري، محدثا ضرورات جمالية متفوقة، لا يجيد تحقيقها غير الشاعر الشاعر، كما أن استخدام الشاعر للرمز الفني يمثل خصوصية متفوقة في تجربته الشعرية، حيث يجيد في بنيتها لعمل البلاغة الجديدة التي تعمل وفق منهج الاستثمار الفني لعملها بعيدا عن التقريرية والتكلف والتقعر.
يقول أيضا:
وقد كبرت كثيرا، صرت أكبرُني
بألف عام، وظل الوالدان هما
إبليس أول اصحابي، يؤرجحني
على النساء، لأن المغريات دمى
أنا ووحدي والشيطان ثالثنا
أنثاي خمري، ووسواسي الجميل ظما
من لي بعمرٍ طويلٍ كي يمكنني
لفضح ألف نبيٍ يعبد الصنما
قد صرت أهرب من عيني الى مقلٍ
منفىً، ففي نظري مازلت منقسما
وأكره الطين، كيف الطين يصنعني
ذنباً ولم أعتنق أوثانه العُظما
الطين والنزف والرأس الذي التفتت
عيناه نحو الذي لم يدرك الندما
دمٌ يصدر كالبترول في وطني
والبائعون هم أحبابنا الزُعما
دمٌ عراقٌ، اتدري ما العراق وقد
كان العراق عراقاً ينزف الأمما
يبرز الشاعر أوجاعه عبر بنية شعرية، تستحضر آلام العراق من تعدد نكباته التي ابتلى منها بأنبياء الأصنام واعتناق الأوثان، وهنا تكمن رمزية هذا التوصيف في المعنى الدلالي الذي تقترن به التجمعات السياسية التي أنتجها التدخل الاستعماري في العراق، من دون ندم على ما أصبح فيه العراق، بعدما جف دم الحسين لينبت الظمأ ولا يزال الشيطان يعربد ولم يزل البائعون لدم الأرض والعراق في صيغة البترول أصبح أمما، أي تكتلات وطوائف وشيع منقسمة ولا يجمعها غير البيع لدم رأس الحسين الذي تخمر في أرض العراق وبات بترولا، لا ينز غير الندم والألم.
فالصورة الشعرية هنا تتميز بالدهشة الفنية التي يلقيها علي المتلقي، منحوتة من رحم ألفاظ أنتجتها الفطرة الشعرية، بلا مجاز تقليدي يباعد بينها وبين عوالمها الفنية، التي تنتج دلالتها وفق عمل شعري، لا يميل نحو مجازية تقليدية أو صور مركبة يشوبها الغموض أو التقعر لإنتاج شعرية تقليدية لا يتعاطى معها الشاعر، ولا يعمل بها.
يخرج من مشحون الدفقة الشعرية من دون تكلف أو من دون عمل الذهنية التي تحيل المنتج الفني إلى بناية مشهدية من دون نبت الإحساس في تصورها أو تقبلها عند التلقي؛ فهنا يربط الشاعر الألم الحسي بمرادفه الفني عبر صور شعرية لافته تقبل عمل الرمزية, وتجيد حداثية مجازها الجديد، الذي يميل نحو انسجامية اللغة مع فعلها في توافقية لا تقبل التباعد أو التفكيك.
يقول أيضا في قصيدته الرائعة:
وفزّت الأرض، طاحت من ملامحه
وغازل الصمت صوت الضوء فانكتما
وفزت الأرض، عين الشمس ترقبها
فأطبق الليل حتى يستتب عمى
وتاهت الأرض، هذا الرأس يقلقها
وذلك النزف مسّ الرأس فانثملا
الأرض تركض خلف الأرض يسبقها
قومٌ إلى مشرقٍ أقسى يلي العدما
دمٌ تمرغ بالألوان منكسرا
ثم استقام ليعلو فوقهم علما
النزف والرأس حد الان ماالتقيا
وحد بوحي بهذا البيت ماالتأما
بصحة الارض، نخب الرأس تنزفه
كل الفراتات حتى يستحيل سما
سأمدح الله، إذ إبليس يكرهني
يرى فؤادي بالايمان متهما
أستغفر الله، هل آمنت ؟ منذ متى ؟ ودعك عن ذا؟ فهل أشركت؟ ثم بما ؟
انا ولدتُ كذا، من بعد ان ختلا
لي والدان وها أصبحت طفلهما
هذا الجزء من القصيدة، يتفاوت فيه التألق الفني الذي ارتبط ببنية الوحدة الموضوعية، وهي تمتزج وتتفاعل مع مكوناتها الجمالية من واقع العمل الوجداني، مع تدخل ذهنية العمل لاختيار بعض الألفاظ الشعرية داخل نسق إيقاعية بنية بعض الأبيات المكملة للوحدة الموضوعية المتممة لبنية البيت الشعري، الرابطة بين مشترك الأحوال في بعض أبيات القصيدة، التي برزت فيها ذهنية العمل. فالسطر أو البيت الذي ينتهي بحرفي الروي أو ما يسمى بالقافية في بنيتهما الدلالية، يتوقف عند بعضهما التأمل وقت التلقي، ليجد القارئ نفسه منفصلا عن انسجامية ما تلقفته وجدانية الاستقبال للقصيدة، من استنباط بنية الدلالة في استقبال المعنى، وعن البنية الشعرية الفنية التي امتلأت بها وجدانية أحواله، بسبب أن ثم نشازا إيقاعيا وجدانيا، أو خللا فنيا تسبب من أن حرفي الروي أو الكلمة التي ينتهي بها البيت او السطر الشعري، كان بسبب تدخل ذهنية الشاعر في إنتاج كلمة تمتلك حرفي القافية، ليجد القارئ أو المتلقي نفسه منفصلا عن بنية وجدانية البيت بسبب تدخل العمل الذهني لإتيان بكلمة من القاموس، تتفق مع بنية الوزن العروضي في تدوير قافيته.
مما فصل وجدانية الكتابة في القصيدة عن بنية أحوالها الوجدانية، التي تأسست عليها وحدات العمل وأدواته في كتابة النص؛ فعندما نجد مفردات، " العدما، منكسرا، علما، التقيا"، في سياق بنيتهم عبر موقع كل مفردة في بنيتها الموضوعية، التي تحدد كل دلالة ومعناها داخل البيت. حيث يمثل صدمة التوقف اللحظي في استقبال تدفقات شعرية القصيدة، بسبب هذا العمل الذهني الذي أربك عملية التلقي.
وفي حقيقة الأمر هذا الخلل الفني يمثل القليل هنا بمقارنته بالكثير من أبيات القصائد العمودية عند معظم الشعراء، الذين يكتبون الشكل الشعري العمودي، بسبب توقف عملهم الوجداني للبحث عن اللفظ المناسب لتصحيح الخلل العروضي عند التزامهم بعمله الصارم الذي أرهق القصيدة العربية وهي ترتقي درجات تألقها. في مجمل ما اطلعت عليه عبر صفحة الشاعر للقصائد الكثيرة المنشورة في تعاقبها الزمني.
أرى أن تجربة الشاعر حسين القاصد تمثل في بنيتها الكلاسيكية عبر أنساق تشكيلاتها المتعددة التي لم تخرج عن نسق الأوزان العروضية، التي تأثرت بها تجربته الشعرية، وأصبح مكونها مختمرا في ماعون وجدانيته.
لتبرز ولادتها الشحنة الشعرية التي توافقت بلغتها المختارة والمنسجمة مع حركية أفعال أحوال الكتابة، تستدعي كل ما توافق وانصهر وتماس مع التفعيلات العروضية، مع دوائر قوافيها، وكذا العمل وفق مقتضى بنية أحوال كل قصيدة، يستخدم فيها الشاعر أدواته الفنية من إنتاج الصور ومجاز اسلوبيتها الحداثية.
أيضا تتعدد المكونات الفنية من تعاطي الرمزي والفلسفي والمجازي والتناص الثقافي في بنية شعرية لافتة ومميزة وغير تقليدية، تمثل
حداثية العمل في التجربة وتطورها. يحول فيها الرمز الى حقيقة قائمة ويجعل من ماهيتها التزام تشكيلات شعرية متدفقة البنية الوجدانية في معظمها. تقف عند اتساع المعنى الواسع الذي يخص النظرة المستقبلية للعراق وحضارته وللقصيدة العمودية غير المنسوخة أو المقلدة والمنظومة.
ولا يفوتني هنا الإشارة عن أن اختياري لهذه القصيدة هو ليس تفوق جودتها عن بقية عمل الشاعر عبر تجربته الكبيرة الواسعة.
بل كان الاختيار لا يعمل وفق منهج اختيار ذائقة ما لقصيدة أو ديوان من أعمال الشاعر الكبير المجدد. وإنما اختياري كان يمثل التطور الذي تحقق والجودة التي ترسخت قيمها الفنية التي يقبلها عمل كتابي الذي تضمن دراستي. لتمثل قناعة الفكرة والمنهج الذي أعمل به في كتابي الجديد بعنوان، الشعر الوجداني الحر؛ تشكيلات المعنى".