21 May
21May


حسين القاصد
مثل خبرٍ عاجل لا صحة له، ومثل إعلان عن فايروس جديد أو متحور، من سلالة الحاج كوفيد، أو الحاجّة (هانتا) وأخواتها، بل مثل تغريدات القفّاص ترامب، انتشر ربطٌ خطير  تناقله المدونون وكل واحد منهم ادعى براءة الاختراع في تحليل بيت بشار بن برد، واستكثروا عليه التشبيه لكونه أعمى، ثم استعانوا بالذكاء الاصطناعي في زمن صار فيه الغباء طبيعاً والذكاء اصطناعيا!!.

منذ أن عرف الإنسان البلاغة أخذ يشبه ما يرعب بأشد الموجودات رعباً، وما يسره بأجمل ما يبعث على السرور؛ وظل كذلك لأن لكل ما يراه أو يعتريه شبيهاً مجاوراً.

ولقد قلت في أحد كتبي ثم كررت ذلك كثيراً: إن الإنسان صديق الموجودات وعدوها في آنٍ واحد. 

وقلت: إن التشبيه في أصله ثقافي والنقد الثقافي أولى به من البلاغة وغيرها، لأن أي تشبيه هو مجاورة نسقية بين ما تراه وما تتصوره ذهنياً، والذي تتصوره في ذهنك يمثل خزينا معرفيا ثقافيا، وهذا هو رأس التشبيه وأساسه.

لقد دعا شاعر العصور وقيامة الشعر أبو الطيب المتنبي إلى المشترك الذهني وكأنه يضع شرطاً صارماً للتشبيه المعرفي أو الذهني حين قال:

خذ ما تراه و دعْ شيئا سمعت به 

في طلعة البدر ما يغنيك عن زحلِإن 

الرؤية والرؤيا معاً  في بيت المتنبي تتحدان، فليس لك أن تأخذ ما لا تراه وما لا تتخيله، إذا كان المعنى ماثلا أمامك أو له مجاورة نسقية بين ما لديك وما تتصوره.لقد ضجت صفحات التواصل الاجتماعي بتحليل بيت شعر نسبوه لبشار بن برد :

أسير على الفلاةِ ومشطُ رجلي 

شبيهٌ بالأغرِّ من الخيولِ

و بطريقة تنتمي للسانيات الببغاوية، هبّ الجميع بتحليل مستنسخ لهذا البيت، ينص على أن: كيف لبشار وهو أعمى أن يرسم لنا صورة مقوّسة لقدمه تشبه رأس الحصان الأغر؟!

والغريب أنهم أغفلوا  معنى المشط ودلالته، وفاتهم معنى ( الغرة) التي تعني البياض والضوء، بل فاتهم  ما هو أخطر من ذلك، فالأغر من الخيول هو أحد الخيول وليس رأس أحدها، لأن الشاعر لم يقل الجزء الأغر من جسد الحصان.

قلت اللسانيات الببغاوية وأريد بها لسانيات من لا يعرف من خزين ذهني لديه، وهي لسانيات تجميعية غير واعية وليست إدراكية، وأنصع مثال عليها هو ما يصلنا من الذكاء الاصطناعي، لأنه ذكاء آلي لا يفكر ولا يُستفز، وكل همه تجميعي، يأخذ ويعطي من دون تفكير ومن أين له أن يفكر وهو لا عقل له. ستقول لي:

  ماذا يريد الشاعر بهذا التشبيه؟ 

فأقول: أراد أن رجله تستطيع تمشيط الطريق على الرغم من أن الأرض لا دليل فيها وهي صحراء، لكن رجله كالحصان الأغر الذي يعرف دربه؛ وهو نسق مجاورة مع الموجودات لا أكثر، وفي البيت فخرٌ عظيم مفاده: إن رجله غراء!!؛ 

ولم يكن الشاعر بصدد تقويس قدمه كما في الصورة التي انتشرت في التواصل الاجتماعي وصار كل شخص يدعي أنه صاحب الاكتشاف الخطير.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن