24 Apr
24Apr

د. هاني كنهر عبد زيد العتّابيّ

   هذا العنوان واحد من عشرات العنوانات التي يمكن أن تصدق على محتوى هذا الموضوع، وقد بدا لي وأنا أحاول أن أجترح له عنوانا أنّ التأويل مصطلح لا ينبغي التفريط به؛ لأنّه يشير إلى عمليّات الإدراك أو الفهم والتفسير، ولكنّ يمكن أن تعاد صياغة العنوان؛ ليكون (تأويل المعنى من علامات النحو إلى نحو العلامات)، أو (تأويل المعنى من رموز اللغة إلى لغة الرموز)، وهكذا، فأنت تقلّب العنوانات بحثًا عن عنوان يليق بالمحتوى المعرفيّ الذي يوافق توظيف (الرموز التعبيريّة) في لغة التواصل، أو اللغة الرقميّة؛ إذ أخذت الرموز التعبيريّة في اللغة الرقميّة تكثر بصورة ملفتة، وأصبحت ممّا لا يستغني عنه أيّ متحدّث في سياقات التواصل الرقميّ، ومثّلت ضرورة أو حاجّة ماسّة لتمثيل المشاعر الإنسانيّة بصورة بصريّة دقيقة لا ريب في تأويلها ولا جدال. 

  وإذا ما أردنا الخوض في المعاني التي يؤول إليها توظيف الرموز التعبيريّة واستعمالها في سياقات التواصل الرقميّ، فيمكن أن نبحث عن المستويات اللسانيّة التي تشتغل عليها، أو المجالات اللسانيّة التي توظّف فيها بوصفها وسيلة لتيسير التأويل وتحقيق الفهم التام، وإذا كانت اللغة بحسب ابن جنّي (ت392ه) (أصوات يعبّر بها كلّ قومٍ عن أغراضهم) (الخصائص، 1990، 1/34)، فلابدّ أن تكون بدايتنا في تعيين الوظيفة الصوتيّة للرموز التعبيريّة، ثمّ الوظائف اللسانيّة الأخرى نحو الوظيفة الصرفيّة والنحويّة والدلاليّة، وقد تبدو هذه المحاولة لأوّل وهلة ضربا من المجازفة أو البحث في الفراغ؛ لأنّ الوظيفة الصوتيّة تنطلق من ممارسة جهاز النطق، وإصدار الأصوات الدالّة على المعاني، ومن ذلك ظهر مصطلح المورفيم (Morpheme) الذي يدلّ على أصغر وحدة صوتيّة أو صرفيّة دالّة على معنى، ثمَّ نُظِرَ في هذه الوحدات وتبيّن أنّ ثمّة وحدات صرفيّة صوتيّة ظاهرة في الأداء، وهي تنطق وتكتب، وثمّة وحدات صفريّة ليس لها وجود في النطق، وإنّ عدم ظهورها في الأداء الصوتيّ أو عدم كتابتها يدلّ على المعنى، نحو غياب التاء في الفعل الدالّ على المذكّر، فإنّ عدم وجود التاء يقدّم دلالة التذكير بوضوح. 

 وعلى وفق ما تقدّم يمكن أن تُدرج الرموز التعبيريّة في مفهوم المورفيم (Morpheme) بوصفها وحدات صوريّة غير منطوقة مؤثّرة تأثيرا كبيرا في إنتاج المعنى، ولمّا كانت اللغة في نظر اللسانيّين مجموعة من العلامات والرموز، فإنّ الرموز التعبيريّة تدرج ضمن هذا المجال، ويمكن عرض وظائفها اللسانيّة بمستويات متعدّدة خاضعة للاستعمال. 

فمن الجانب الصوتيّ يمكن أن نؤوّل الرموز التعبيريّة بوصفها بديلا للأداء الصوتيّ كما هو الحال في علامات الترقيم التي يمكن توظيفها للتعبير عن طريقة الأداء التي تؤول في النهاية إلى تحديد المعنى بسهولة ويسر، وذلك نحو توظيف العلامات في نحو (ما أحسن الشعر؟) و(ما أحسن الشعر!) و(ما أحسن الشعر.)؛ لأنّ علامات الترقيم في هذه التعبيرات تمثّل القرينة الوحيدة لوصف أدائها الصوتيّ، وتأويل معانيها المقصودة، فعلامة الاستفهام في الجملة الأولى تكفّلت بتحديد المراد من المخاطب وهو أن يجيب عن سؤال المتكلّم، وعلامة التعجّب في الجملة الثانية أوضحت الحالة الشعوريّة والنفسيّة للمتكلّم وكأنّه قد تعرّض أو أدرك ما يخالف المألوف، والعلامة الأخيرة (النقطة) دلّت على معنى النفي، وهكذا فأنت لا تجد في هذه الجملة المقتطعة من سياق استعمالها ما يشير إلى معناها سوى هذه العلامات الدالّة، بل قد لا تجد دليلا على المعنى سواها وأنت تضع هذه الجمل في بعض السياقات.

  وتأسيسا على ذلك يمكن أن توظّف الرموز التعبيريّة في نحو هذه السياقات؛ لإجبار الجملة الصامتة على تحقيق المعنى الذي لا يمكن أن يدرك إلّا بالأداء الصوتيّ، فعلى سبيل التمثيل أنّ بعض الرموز التعبيريّة إذا ما وظّفت في سياق الترحيب بعد عبارة (أهلا وسهلا) تعمل على تحقيق معاني الترحيب بحماس، أو التبرّم والملل وتخفيض نغمة الترحيب، أو التهكّم وتغيير نغمة الصوت، أو إنّها تعمل على قلب معنى الترحيب إلى منفيّه، وكأنّ المتحدّث رقميّا يريد أن يقول: (لا أهلا بك)، وكأنّ الرمز التعبيريّ يقدّم (نوتة موسيقيّة) تضاف إلى المكوّن اللسانيّ للجملة العربية المكتوبة.  

وهكذا فأنت تجد أنّ الرموز التعبيريّة يمكن أن تحقّق ما ينوب عن الوظيفة الصوتيّة، على نحو ما يتناوله الباحثون من دلالات النبر والتنغيم، وليس هذا فحسب، بل يمكن لهذه الرموز الرقميّة أن تقدّم وظيفة صرفيّة بوصفها سابقة أو لاحقة صرفيّة كفيل بتغيير المعنى، نحو تأويل وضع رمز الكفّ المرفوعة بعد الفعل (انتظر) للدلالة على وجوب الانتظار، ومنع أيّ تدخّل يخل بفعل الانتظار، كما يمكن تأويل وضع علامة (الساعة الرمليّة) بعد هذا الفعل للدلالة على الصبر والتأنّي والتمهّل، وعلى نحو آخر يمكننا أن نؤوّل وضع علامة الكفّين المطبقين إلى الأعلى بعد أيّ فعل للدلالة على الرجاء، وتختلف تأويلات الطلب الواحد بحسب السابقة أو اللاحقة الرمزيّة التي توظّف كتابيّا في سياقه، وكأنّها وسيلة مساعدة على تحديد المعنى بسهولة ويسر، إلى الحدّ الذي يغيب معه المعنى بغياب بعض الرموز، أو الاكتفاء بالرموز وحدها في بعض المحاورات الرقميّة، وبطريقة مدهشة تحثّنا على القول بمزيد من المجازفة بأنّها استغناء على الرموز اللسانيّة.  

وإذا كان هناك من يقبل القول بالوظائف الصوتيّة والصرفيّة للرموز التعبيريّة، وينكر أيّ دلالة نحويّة أو بلاغيّة للرموز التعبيريّة في التواصل الرقميّ، فينبغي أن نوضّح له بجلاء أنّ لهذه الرموز دلالات نحويّة لا يمكن إنكارها؛ إذ تنوب ــــ على سبيل التمثيل لا الحصر ـــ عن قيود الجملة العربيّة نحو الحال والمفاعيل، ولنا أن نمثّل على ذلك بتأويل الرموز التعبيريّة التي يمكن أن تلحق الجمل نحو (وصل محمّد إلى البيت) أو (نجح زيدٌ في الامتحان)، فإنّ وضع الرموز التعبيريّة تنوب عن نطق حال الوصول والنجاح، وكلّ رمز تعبيريّ كفيل بتحديد معنى الحال، وكأنّه في حكم المنطوق صوتيّا، فيمكن أن يؤوّل في بعض الرموز بأنّه وصل إلى البيت مسرورا أو متعبا، كما يمكن تأويل النجاح بتأويلات متعدّدة بحسب نوع الرمز التعبيريّ ودلالته. 

وكذلك الحال مع المستوى الدلاليّ أو البلاغيّ، فأنت ترى أن وضع الرموز التعبيريّة من نحو القلوب الحمراء بعد الفعل (أحبّك) تفيد التوكيد، وتكرارها يعني تكرار التوكيد، بل يمكن تأويل الاكتفاء برمزين منها أو ثلاثة رموز متتالية بأنّ المتحدّث يريد أن يقول: (أحبّك حبّا كبيرا)...، كما يمكن أن نؤوّل الفنون البلاغيّة بجلاء في هذه الرموز، وذلك في جملة متكوّنة من ركن واحد وهو المبتدأ نحو (كلامك)، ويليه رمز النار، للدلالة على القوّة، وكأنّ المتحدّث استعار النار لوصف الكلام، لما بينهما من ترابط في وجه الشبه وهو القوّة، على نحو ما نجده في الاستعارة التصريحيّة، كما يمكن أن نؤوّل الرموز الموضوعة بعد أساليب النداء بدلالات متعدّدة تختلف باختلاف الرمز التعبيريّ في تحقيق المعنى المقصود، بل في تحقيق معنى أكثر جمالا وأجود وأبلغ. 

  إنّ استعمال الرموز التعبيريّة في لغة التواصل الرقميّ تقودنا إلى نوع خطابيّ جديد قائم على لغة هجينة، تعتمد على النحو البصريّ، وكأنّنا لا نقرأ كلاما أو خطابا فحسب، وإنّما نعمل على تأويل معاني المشاهد اللغويّة بما نفهمه وندركه من دلالات، فهل يمكن أن تكون هذه الرموز بديلا لسانيّا موفّقا في تحقيق التواصل الرقميّ؟ وهل يمكن أن تأخذ بعدا جديدا أكثر تطوّرا ودلالةً من ذلك؟ وهل يمكن أن ندرس المستويات الصوتيّة والصرفيّة والنحويّة والدلاليّة لهذه اللغة على نحو دراساتنا للغة الحروف الأولى؟ إنّنا على قدر ضعف نظرنا نرى أنّ هذه اللغة تقدّم معاني مكثّفة في تعبيرات رمزيّة موجزة قابلة للتأويل، وقادرة على تحقيق أغراض التواصل وأهدافه بسهولة ويسر.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن