د.هاني كنهر العتابيّ
في فضاء الثقافة العراقيّة تظهر محافظة واسط حاضنة أمينة للقمم العلميّة الفاعلة التي نذرت حياتها لخدمة الضّاد ومستعمليها، وحراسةنصوصها الكبرى وفي مقدّمتها القرآن الكريم.
وفي هذا الامتداد الثقافيّ والعلميّ والأكاديميّ يبرز قسم اللغة العربيّة في كلّيّة التربية للعلوم الإنسانيّة بجامعة واسط بوصفه رافدا مهمّا من روافد المشهد الأكاديميّ العراقيّ؛ إذ أسهم برفد المكتبة العربيّة بجملةٍ مهمّة من الكتب والدراسات المتنوّعة في السياقات اللغويّة والأدبيّة والنقديّة، كما أسهم بصناعة أسماء مهمّة من الباحثين الذين شقّوا لأنفسهم طريقًا في الجامعات والمؤسّسات والمنابر العلميّة العراقيّة السامية.
وفي هذا السياق العلميّ الرصين تبرز أسماء أكاديميّة كبيرة شكّلت حضورا معرفيّا لافتا، ورقمت آراء مهمّةً في الكتب والمجلّات العلميّةالمحلّيّة والعالميّة، وتشاركت في تأليف وعي بحثيّ أصيل لدى الدارسين، وهذا المشهد الأكاديميّ الزاخر يجعل الانتقاء التعريفيّ والانتخاب التوضيحيّ مرآةً للتعبير عن الجميع، فما إن تصف أستاذا بحقيقته العلميّة والإنسانيّة إلّا وكان وصفك صالحا لأقرانه؛ لأنّه مثالٌ لقسمٍ ثريّ على المستوى اللغويّ والأدبيّ والإنسانيّ.
وإذا كان من حقّ الباحث أن ينتقي من نفائس هذا القسم ودلائله ومعانيه الساميات، فله أن ينتخب الأستاذ الدكتور (نعيم سلمان غالي البدريّ) مثالا علميّا يمكن من خلاله قراءة الفعل اللغويّ والإنسانيّ في قسم اللغة العربيّة، فهو أكاديميّ عراقيّ واسطيّ مثّلت مسيرته العلميّة رحلة كفاح وإصرار علميّ، وتحدّت التهميش السياسيّ،لتصنع اسمًا يُدرج في سياق أسماء قسم اللغة العربيّة، ويصوّر جانبًا مهمًّا في دراسات اللغة والنحو في الحقبة الذهبيّة الجامعة بين القرن العشرين والحادي والعشرين.
وإذا أردنا أن نمسك الأمر من أوّله من محنة الإقصاء إلى مرتبةالأستاذية، فينبغي أن نبدأ بأصوله الإنسانيّة؛ إذ وُلِدَ الدكتور نعيم البدري في رُبوع واسط عام 1965م، وتلقّى فيها علومه الأولى، ليتخرج عام 1987م حاملًا شهادة البكالوريوس في جامعة الموصل،وقد تواصل شغفه المعرفيّ في أمّ الحواضر العلميّة بغداد، فنال الماجستير عام 1993م، ثم الدكتوراه عام 1997م في كلّيّة الآداب العريقة بجامعة بغداد.
ولأنّ مواقف المفكرين الأحرار غالباً ما تدفع ضريبتها قسرًا، فقد عانى الدكتور البدريّ من الإقصاء والحرمان من التعيين في زمن النظام البائد؛ لأسباب سياسيّة وأمنيّة، غير أنّ هذا التهميش لم يزِدْجمرته العلميّة إلّا اتّقادًا؛ فحمل علمه خارج الحدود، ليرأس قسم اللّغة العربيّة في ليبيا بين عامي 1997 و1999م.
ومع بزوغ فجر جديد للعراق، عادَ البدريّ إلى وطنه ومدينته وعُيّن في جامعة واسط في عام 2004م، ليتدرج سريعاً بفضل عطائه الغزير وبيئة قسم اللغة العربيّة المشجّعة حتى نال مرتبة الأستاذيّة 2018م، متولّيًا مهمّة رئاسة قسم اللغة العربيّة، فضلًا عن قيادة اللجان العلميّة والامتحانيّة لسنوات طويلة.
أمّا منهجه العلميّ فيتّسم بالجرأة النقديّة في قراءة التراث اللغويّ؛ إذ عمل على إعادة قراءته بعين فاحصة لا تستسلم للمُسلّمات، وظهر ذلك جليًا في بواكير أبحاثه؛ ففي مشروع الماجستير تناول (كتاب العين في ضوء النقد اللغويّ حتى نهاية القرن الرابع الهجريّ)، وفي أطروحته للدكتوراه ركّز على (الدراسات المعجميّة في العراق)، ممّا جعله بصيرًا ببناء معجمات العربيّة، وعليمًا بالنقود اللغويّة المعاصرة.
ومن أبرز سمات فكره اللغويّ الرغبة في (المساءلة العلميّة)؛ وقد تجلّت هذه النبرة النقديّة الشجاعة في بحوثه المنشورة التي أثارت نقاشات واسعة، مثل بحثه الموسوم بـ (جناية ابن مالك على النحو العربيّ) الذي قدّم صورة موجزة لكتابه (صناعة الشاهد الشعريّ)، وبحثه الاستقصائيّ (هل وثّق النحويّون الشاهد الشعريّ واطمأنّوا إلى صحّته قبل الاستشهاد به؟)، وغير ذلك من عشرات الأبحاث المهمّة في التحقيق في التراث.
تتوزّع مؤلّفات الدكتور البدريّ على كبريات دور النشر العربيّة في (عمان، ودمشق، وبيروت، والقاهرة)، وهو ما يعكس الصدى العربيّلجهوده، ومن أبرز مؤلّفاته التي رفد بها المكتبة العربيّة:
1- كتاب العين في ضوء النقد اللغويّ (ط1 عمان 1999، ط2 دمشق2011)، وفيه تحقيق علميّ لأوّل معجم عربيّ.
2- صناعة الشاهد الشعريّ عند ابن مالك الأندلسيّ (ط1 و ط2 دمشق 2010 - 2011)، وهو دراسة نقديّة في نتاج ابن مالك الأندلسيّ.
3- المقتصد في شرح التكملة لعبد القاهر الجرجانيّ (عمان 2015)،وهو سفر جليل في التحقيق التراثيّ اللغويّ، أنجزه بالمشاركة مع الدكتور زهير عبد المحسن سلطان.
4- دراسات معجميّة (دمشق 2015).
5- تحقيقات لغويّة في شواهد شعريّة (بيروت 2018).6- دراسات في اللغة (القاهرة 2021).
وإلى جانب هذه الغزارة في التأليف والتحقيق لم ينعزل الدكتور البدريّ في صومعته الأكاديميّة، وإنّما ظلّ متّصلًا بطلّابه وقسمه العلميّ وكلّيّته وجامعته ومجتمعه الواسطيّ وبلده العراق العظيم بوصفه فاعلا اجتماعيّا مؤثّرا.
وإذا كان من حقّ القارئ أن يتعرّف على السيرة العلميّة للأستاذ الدكتور نعيم البدريّ من خلال مؤلّفاته وبحوثه، فإنّ من واجبي بوصفي باحثا تشرّف بالجلوس بين يديه، والتتلمذ على منهجه، أن أدلي بشهادة حيّة من ميدان العطاء؛ فقد كان للدكتور البدريّ فضل كبير في صقل مسيرتي الأكاديميّة، بدءًا من مناقشته لي في رسالة الماجستير وتوجيهاته التي أنارت لي الدرب، وصولًا إلى نيل شرف إشرافه المباشر عليّ في أطروحة الدكتوراه.
وقد خبرتُ في الأستاذ الدكتور نعيم البدريّ في هذه الرحلة العلميّة ثنائيّة فريدة ظهرت بجلاءفي حقل الأكاديميّة العراقيّة ولا سيّما في قسم اللغة العربيّة بجامعة واسط، وهي ثنائية (الأبوّة الحانية والصرامة العلميّة)؛ إذ كان يفيض بروح التعاون الدائم، ويمدّ يد المساعدة والتوجيه لكلّ باحث يطرق بابه، محيطًا تلامذته برعاية أبويّة تُذلّل عقبات البحث ومصاعبه.
ولكن خلف هذا اللين الإنسانيّ والروح المتعاونة تقف شدّة علميّة لا تساوم على حساب الحقيقة والتدقيق؛ فكان في قراءة النصوص والتحقيق ومراجعة الأفكار لا يرضى إلّا بالكمال اللغويّ والمنهجيّ، إذ كان حريصاً على صناعة باحثين من طراز فريد، يمتلكون أدوات النقد اللغويّ الحقيقيّ، ويدركون قيمة الأمانة العلميّة.

