حسين القاصد
شأن الوردة ليس في عطرها بل في شمّهِ واستنشاقه، وإلا لا قيمة له ولها، ويتوج هذا الشأن بقطافها، وكأن عليها أن تموت لتصل مجدها.
وشأن الفراشة باحتراقها فمن دون ذلك لا يتغزل بها الشعراء، وشأن المرأة بهجرة أبويها إلى زوجها، أو بهجر الكون واللجوء إلى مكنونها كونها الأرض التي تنتظر محراثها لكي تخضرّ، ( نساؤكم حرث لكم..)، لكنك من الأرض وإليها، ألم تخلق من التراب؟
الشأنية نسقٌ غريزي واحتياج وجودي خطير، وقد قال أبو الطيب المتنبي:
ووضع الندى في موضع السيف في العلا
مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى
فللسيف شأنه في مقامه، وللندى ما ليس للسيف في لحظة استنداء عظيمة.
الشأنية نسق ثقافي مهيمن، وهو في الهجاء يمثل قلب الحدث الشعري، فالمتنبي نسف خصمه تماماً حين قال:
صغرتَ عن المديح وقلت أُهجى كأنك ما صغرتَ عن الهجاءِ في الأدب كله يهيمن البوح الوجداني الذي أداته اللغة، وكذلك في الفن يهيمن البوح الوجداني بأدواته، ففي الرسم تكون الأداة الفرشاة أو اللون، وفي الرقص تكون الأداة هي الجسد، ثم يتحول البوح من الوجدان إلى التخييل بحثاً عن الشأنية المثلى.
لذلك يلجأ المبدع إلى سبل الإبداع للوصول للشأن الذي يريده وإن لم يفكر به، بينما يتوسل الطارئ المراتب الشأنية بالعلاقات الزائفة، والانتشار الفيسبوكي، وحتى على المستوى الأكاديمي نرى من يعاني من العقم البحثي يصبح منظّرا للحلول الغرامية واكتساب الشعبية، وتسهيل الغش في الامتحان والتوسل بالذكاء الاصطناعي، كي يعوض نقصه العلمي بشأنية مراهقة.
الشأنية المراهقة تشبه بدايات الشعراء، مثل ما كتبته الشاعرة الرائدة لميعة عباس عمارة من شعرٍ طلابي شغبي، ليس له من الشعر شيءٌ سوى أنه يرفعها رتبة على زملائها الطلبة، ويمنحها شأنية ترفع رتبتها على زملائها، ومن ذلك قولها مستاءةً من ( الرياضيات):
أينَ سينٌ ناقصٌ صاداً ونونْ
من قصيدٍ بالغ المعنى حنونْ
أينَ رفع القوس أو تربيعه
من تراتيلٍ تندى لها العيونْ
أينَ يا هذا رياضيّاتكم
من سماء الشعرِ من سحِر الفنون
أمن الحكمةِ أن يمضي الصِّبا
ويضيع العمرُ والعمرُ ثمين
بين كسرٍ واختصارٍ تافهٍ
وزوال الأُسِ أو ربحِ الديون؟
ليس لها من هذه السطور المقفاة سوى أن ترضي كسالى الطلبة وتعزز حضورها الشأني المؤقت، فلا الرياضيات ماتت ولا شعرها في هذا المجال يعد شعراً.
الشأنية بنت الوهم أحيانا، فقد تأتي بسبل رخيصة بالتملق والدونية والرخص وتسليع الجسد، وهو شائع في الأدب قديمه وحديثه؛ وفي ما يخص بالتملق يتمثل بالبديل الشعبوي عن الأصيل الإبداعي.
ما يحدث مؤخرا من شأنيات ملتوية في الوسط البحثي، لا سيما في الجامعات يمثل وباءً يجب الحذر منه ومعالجته؛ فلا شأن في الجامعة إلا بالبحث العلمي، ولا قيمة للعلاقات المريبة التي سرعان ما ينزاح عنها الستار وتتعرى.
والشأن المغشوش يقتل صاحبه، والغش مرجوع للطرفين.
٩ / ١ / ٢٠٢٥