ملتقى بحر العلوم للحوار - السبت 24 تشرين الأول 2026
المحاضِرة: الدكتورة شهلة الكلي،
نائب رئيس الجامعة الأمريكية للتطوير والعلاقات الخارجية.
إدارة الندوة: السيد علي الغريفي.
المدير التنفيذي لملتقى يحر العلوم للحوار
تناولت الندوة الانتخابات النصفية الأمريكية بوصفها محطة مهمة في إعادة تشكيل التوازنات السياسية داخل الولايات المتحدة، وتأثير نتائجها المحتملة في أداء الإدارة الأمريكية وعلاقاتها الخارجية، مع التركيز على انعكاسات هذه التحولات على الشرق الأوسط والعراق.
وامتدت المناقشات إلى طبيعة المؤسسات الأمريكية، ودور جماعات الضغط، والهوية العراقية، وفرص بناء حضور عراقي أكثر فاعلية في واشنطن.
أولاً: الانتخابات النصفية والتحولات السياسية الداخلية.
طبيعة الانتخابات وأهميتها:
استعرضت الباحثة طبيعة الانتخابات النصفية ودورها في إعادة توزيع موازين القوى داخل الكونغرس، وما يترتب على ذلك من تأثير في قدرة الرئيس على تنفيذ برامجه السياسية والاقتصادية والتشريعية، مشيرة إلى أن هذه الانتخابات تمثل اختباراً لأداء الإدارة واتجاهات الرأي العام الأمريكي.
التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين:
تناولت المحاضرة العوامل المؤثرة في المنافسة الانتخابية، وفي مقدمتها الأوضاع الاقتصادية وتكاليف المعيشة والرضا الشعبي ومستويات التعبئة الحزبية، إلى جانب قدرة الحزبين على استثمار القضايا الداخلية في توجيه الناخبين وإعادة تشكيل التحالفات السياسية.
الكونغرس وحدود السلطة الرئاسية :
أوضحت الباحثة أهمية الصلاحيات التشريعية والرقابية لمجلسي النواب والشيوخ، وتأثير تغير الأغلبية في الموازنات والتعيينات والإنفاق الحكومي والسياسات العامة، مؤكدة أن التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية يمثل عاملاً أساسياً في تحديد هامش حركة الإدارة الأمريكية.
الانتخابات النصفية ومستقبل الرئاسة الأمريكية:
ربطت الباحثة نتائج الانتخابات بمستقبل التنافس الرئاسي، باعتبارها مؤشراً إلى اتجاهات الناخبين وقدرة الأحزاب على تجديد قياداتها وتطوير خطابها السياسي، فضلاً عن دورها في تحديد أولويات المرحلة المقبلة.
ثانياً: السياسة الخارجية الأمريكية وحدود التغيير :
استمرارية المصالح الاستراتيجية
ميّزت الباحثة بين تغير الإدارات والأغلبيات الحزبية واستمرارية المصالح الاستراتيجية الأمريكية، موضحة أن التحولات الانتخابية قد تؤثر في أدوات السياسة الخارجية وسرعة تنفيذها وحجم الموارد المخصصة لها، فيما تحتفظ المؤسسات الأمريكية بدور مؤثر في تحديد اتجاهاتها العامة.
العلاقات الأمريكية الإيرانية :
ناقشت المحاضرة مستقبل التعامل الأمريكي مع إيران، ولا سيما العقوبات والضغوط الاقتصادية والسياسية والاعتبارات الأمنية، مشيرة إلى اختلاف الأساليب بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مع استمرار الملف الإيراني ضمن الأولويات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
الشرق الأوسط والتوازنات الإقليمية :
تناولت الباحثة العلاقات الأمريكية مع دول الخليج وتركيا، وتطورات الملف السوري، ومكافحة الإرهاب، وأمن المنطقة، فضلاً عن التوازنات المرتبطة بإيران وإسرائيل، مبينة أن هذه الملفات تتأثر بالتنافس السياسي الداخلي الأمريكي، لكنها ترتبط أيضاً بمصالح وتحالفات طويلة الأمد.
التحولات الدولية الأوسع:
امتدت المناقشة إلى الحرب الروسية الأوكرانية، والتنافس الأمريكي مع الصين، والعلاقات مع الحلفاء الدوليين، في إطار فهم السياسة الخارجية الأمريكية باعتبارها شبكة مترابطة من المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية.
ثالثاً: العراق في الحسابات الأمريكية .
صورة العراق في مراكز القرار:
أشارت الباحثة إلى أن العراق ما زال يُقرأ في بعض الأوساط الأمريكية من خلال علاقته بإيران والملفات الأمنية والإقليمية، الأمر الذي يحد من إبراز قيمته الاستراتيجية المستقلة، رغم ما يمتلكه من موقع جغرافي مهم وإمكانات اقتصادية وعمق حضاري.
مستقبل العلاقات العراقية الأمريكية :
أكدت المناقشة أهمية بناء علاقات عراقية أمريكية تتجاوز التواصل مع الإدارة الحاكمة، وتمتد إلى الكونغرس ولجانه والمؤسسات البحثية والاقتصادية والأكاديمية، بما يعزز استمرارية العلاقات وقدرتها على التعامل مع التحولات السياسية الأمريكية.
التداعيات الاقتصادية والأمنية :
تناولت المحاضرة التأثيرات المحتملة للقرارات الأمريكية في ملفات التعاون الأمني والتسليح ومكافحة الإرهاب والعقوبات والتعاملات المالية، وأهمية متابعة التوازنات داخل المؤسسات الأمريكية لفهم انعكاساتها على المصالح العراقية.
رابعاً: الهوية العراقية وجماعات الضغط والتمثيل الخارجي .
بناء الهوية العراقية في واشنطن:
أكدت الباحثة أن بناء صورة الدولة خارجياً عملية تراكمية تتطلب عملاً مؤسسياً طويل الأمد، وتواصلاً مستمراً مع المؤسسات والنخب السياسية والاقتصادية والمجتمعية، بما يسهم في تقديم العراق من خلال مصالحه ومقوماته الوطنية المستقلة.
جماعات الضغط وشبكات التأثير:
تناولت محدودية شبكات التأثير العراقية المنظمة في الولايات المتحدة مقارنة ببعض دول المنطقة، مستعرضة أهمية العلاقات الممتدة إلى الحزبين الأمريكيين، ومخاطر حصر التواصل السياسي باتجاه حزبي واحد، وما يترتب على ذلك من تراجع القدرة على التأثير مع تغير الإدارات.
الجالية العراقية والدبلوماسية المجتمعية:
أبرزت الباحثة إمكانات الجالية العراقية في الولايات المتحدة، ودورها المحتمل في التعريف بالعراق وبناء علاقات ثقافية وأكاديمية واقتصادية، مستفيدة من طبيعة المجتمع الأمريكي الذي يستوعب الهويات الثقافية والإثنية المتعددة ضمن هويته الوطنية.
التنوع العراقي والحوكمة متعددة المستويات:
ناقشت المحاضرة التعدد القومي والإثني والثقافي العراقي، وأهمية استيعابه ضمن مؤسسات الدولة، متطرقة إلى مفهوم الحوكمة متعددة المستويات باعتباره أحد المداخل لفهم إدارة المجتمعات المتنوعة وتعزيز المشاركة والتكامل المؤسسي.
تماسك الدولة وفاعلية التمثيل الخارجي :
تطرق النقاش إلى العلاقة بين تماسك المؤسسات الوطنية وقدرتها على تمثيل مصالح الدولة خارجياً، وإلى مفهوم هشاشة الدولة، في سياق أهمية وضوح الرؤية الوطنية وتنسيق الأدوار المؤسسية في العلاقات الدولية.
خامساً: أبرز الاستنتاجات :
التحول الانتخابي واستمرارية السياسة: تؤثر الانتخابات النصفية في موازين السلطة داخل الولايات المتحدة، لكن انعكاساتها على السياسة الخارجية ترتبط بطبيعة المؤسسات والمصالح الاستراتيجية، وليس بنتائج التنافس الحزبي وحدها.
العراق والتحولات الأمريكية: تتطلب قراءة السياسة الأمريكية تجاه العراق فهماً متكاملاً لأدوار البيت الأبيض والكونغرس والمؤسسات الأمنية والاقتصادية، وتأثير قراراتها في الملفات العراقية. :
الحضور العراقي في واشنطن: يمثل ضعف شبكات العلاقات والتأثير العراقية المنظمة تحدياً أمام بناء حضور مستدام داخل المؤسسات الأمريكية، فيما تتيح العلاقات الأكاديمية والاقتصادية والمجتمعية فرصاً لتوسيع هذا الحضور.
الهوية الوطنية والقيمة الاستراتيجية: يرتبط تعزيز مكانة العراق بقدرته على تقديم صورة مستقلة عن الصراعات الإقليمية، وإبراز مقوماته الجغرافية والاقتصادية والحضارية والثقافية ضمن رؤية وطنية متماسكة.
الدبلوماسية متعددة المسارات: تبرز أهمية التكامل بين العلاقات الرسمية والدبلوماسية الثقافية والاقتصادية والأكاديمية ودور الجاليات، بما يتيح بناء علاقات مستمرة تتجاوز تبدل الحكومات والإدارات.
الخلاصة العامة :
كشفت الندوة عن أهمية النظر إلى الانتخابات النصفية الأمريكية في إطار أوسع من المنافسة بين الجمهوريين والديمقراطيين، باعتبارها جزءاً من منظومة مؤسسية تتداخل فيها المصالح الداخلية مع الأولويات الدولية.
كما أبرزت المناقشات أن فهم العراق للتحولات الأمريكية ينبغي أن يقترن بتطوير أدوات حضوره في المؤسسات السياسية والاقتصادية والمجتمعية الأمريكية، وتعزيز قدرته على تقديم مصالحه وهويته الوطنية بصورة مستقلة.
وتتمثل الفكرة الجامعة لمحاور الندوة في أن التعامل الفاعل مع التحولات الدولية يتطلب الجمع بين فهم مراكز صناعة القرار الخارجي، وبناء مقومات الحضور الوطني القادر على التأثير فيها.
