16 Jul
16Jul

بغداد – المواطن دعا دبلوماسيون وخبراء وباحثون وأكاديميون إلى تبني مشروع وطني شامل لإصلاح الدبلوماسية العراقية، يقوم على إعادة بناء المنظومة المؤسسية للسياسة الخارجية، وتحديث التشريعات، وتأهيل الكوادر الدبلوماسية، وتعزيز الحوكمة، بما يمكن العراق من مواكبة التحولات الإقليمية والدولية وترسيخ حضوره في المحافل الدولية.

 وجاءت هذه الدعوات خلال الندوة الحوارية التخصصية التي نظمها ملتقى بحر العلوم للحوار يوم الثلاثاء 14 تموز 2026، بالتعاون مع معهد الخدمة الخارجية في وزارة الخارجية تحت عنوان «تقييم احتياجات الدبلوماسية العراقية في إطار الحوكمة.. نحو رؤية وطنية لتطوير الأداء الدبلوماسي»، برعاية الدكتور إبراهيم بحر العلوم، وبحضور وكيل وزارة الخارجية الدكتور محمد حسين بحر العلوم، وعميد معهد الخدمة الخارجية السفير الدكتور محمد الشمري، إلى جانب عدد من السفراء والسياسيين والأكاديميين والباحثين ومديري المراكز البحثية والمتخصصين في العلاقات الدولية.

واستهل مدير الجلسة هاشم بحر العلوم أعمال الندوة بورقة تناولت واقع الدبلوماسية العراقية، مؤكداً أن تطوير السياسة الخارجية يتطلب رؤية وطنية متكاملة تتجاوز المعالجات الجزئية إلى إصلاح مؤسسي شامل.

 وطرح ستة تساؤلات رئيسية عدّها مدخلاً للإصلاح، تمحورت حول تعريف الدبلوماسية العراقية وأهدافها، وإعادة تنظيم صناعة القرار الدبلوماسي، ومراجعة قانون الخدمة الخارجية، وتطوير وزارة الخارجية بما يواكب التحولات الرقمية والاقتصادية والأمنية، وبناء كادر دبلوماسي مهني، ووضع آليات مؤسسية واضحة لقيادة مشروع الإصلاح ومتابعته. 

من جانبه، أكد عميد معهد الخدمة الخارجية السفير الدكتور محمد الشمري أن أهمية الندوة تكمن في قدرتها على إنتاج ورقة عمل قابلة للتنفيذ، يمكن أن تشكل منطلقاً لخطوات إصلاحية حقيقية تسهم في تطوير الأداء المؤسسي والدبلوماسي، والانتقال من الدبلوماسية التقليدية إلى دبلوماسية أكثر فاعلية واستجابة للتحولات الدولية. 

وشهدت الندوة نقاشات علمية معمقة تناولت التحديات البنيوية التي تواجه الدبلوماسية العراقية، إذ ناقش المشاركون الجوانب السيادية والمفاهيمية، والإطار التشريعي، والهيكل التنظيمي لوزارة الخارجية، وآليات صنع القرار، فضلاً عن متطلبات تطوير الموارد البشرية وبناء القدرات، وصولاً إلى بلورة خيارات استراتيجية لإعادة هندسة العمل الدبلوماسي بما ينقل السياسة الخارجية العراقية من إدارة الأزمات إلى العمل وفق مشروع وطني مستدام.

وفي مداخلته، دعا الباحث في الشأن السياسي ومدير الأبحاث في مركز البيان للدراسات والتخطيط، الدكتور مصطفى السراي، إلى اعتماد مقاربة شاملة لتطوير الأداء الدبلوماسي، تنطلق من إعداد وثيقة وطنية للمصالح الاستراتيجية العليا، تكون المرجعية الحاكمة لعمل الدبلوماسية العراقية، وتسهم في توحيد الرؤى وتحديد أولويات السياسة الخارجية بما يتناسب مع طبيعة النظام السياسي في العراق. 

وأكد السراي أن تقييم أداء الدبلوماسية العراقية يقتضي التمييز بين الدور الذي تضطلع به وزارة الخارجية وبين أدوار المؤسسات والفاعلين الآخرين المؤثرين في السياسة الخارجية، بما يسمح بإجراء تقييم موضوعي للأداء بعيداً عن تداخل الصلاحيات والمسؤوليات.

 واقترح اعتماد ثلاثة مسارات متوازية للإصلاح، يتمثل الأول في المسار السياساتي من خلال مراجعة التشريعات وصياغة السياسات العامة والرؤى الاستراتيجية، فيما يركز المسار الهيكلي والوظيفي على إصلاح وزارة الخارجية وتطوير بنيتها التنظيمية وآليات عملها، أما المسار الثالث فيتمثل في بناء الثقة بين وزارة الخارجية والمجتمع، عبر تعزيز التعاون مع الجامعات ومراكز الدراسات والباحثين والرأي العام، بما يرسخ شراكة مجتمعية داعمة للدبلوماسية العراقية. وشدد السراي على أن إصلاح الدبلوماسية لا يقتصر على الإجراءات الإدارية، بل يتطلب رؤية وطنية شاملة، وإرادة سياسية، وتكاملاً مؤسسياً يربط بين المصالح الوطنية وأدوات تنفيذها.

وفي السياق ذاته، طرح الباحث الدكتور سعد سلوم رؤية ركزت على إعادة تعريف أدوات القوة الوطنية العراقية، متسائلاً عن الكيفية التي يمكن للدبلوماسية العراقية من خلالها أن تصبح أكثر قدرة على حماية المصالح الوطنية في ظل التحولات الدولية المتسارعة. وأوضح سلوم أن إصلاح الدبلوماسية لا يبدأ بإصلاح وزارة الخارجية وحدها، وإنما بإعادة بناء مفهوم السياسة الخارجية على أساس الدبلوماسية متعددة المسارات، التي تستثمر مختلف موارد القوة الوطنية، بدلاً من الاقتصار على الدبلوماسية الرسمية التقليدية.

 وأشار إلى أن العراق يمتلك موردين مهمين للقوة الناعمة لم يحظيا حتى الآن بالاستثمار المؤسسي الكافي، يتمثلان في دبلوماسية الجاليات العراقية في الخارج (الشتات) والدبلوماسية الدينية. 

وبيّن أن الجاليات العراقية ينبغي ألا يُنظر إليها بوصفها متلقية للخدمات القنصلية فحسب، بل باعتبارها شريكاً في تحقيق المصالح الوطنية، من خلال توظيف خبراتها في مجالات الاستثمار ونقل المعرفة والدبلوماسية العلمية والثقافية، وربطها بمؤسسات الدولة ضمن رؤية استراتيجية واضحة. 

وفي ما يتعلق بالدبلوماسية الدينية، أكد سلوم أن العراق يمتلك ميزة استثنائية بفضل تنوعه الديني والحضاري واحتضانه مواقع دينية مقدسة ورموزاً ذات تأثير عالمي، إلا أن هذا الرصيد ما زال يُدار في الغالب ضمن الأطر البروتوكولية، داعياً إلى دمجه ضمن استراتيجية وطنية للقوة الناعمة، تسهم في تعزيز صورة العراق، ودعم الاستقرار الإقليمي، وترسيخ مكانته منصةً للحوار بين الأديان والثقافات.

 وأكد أن نجاح هذا التحول يتطلب حوكمة جديدة للسياسة الخارجية، تقوم على شراكة مؤسسية بين وزارة الخارجية، والمؤسسات الدينية، ووزارة الهجرة والمهجرين بعد إعادة تعريف دورها ليشمل دبلوماسية الشتات، فضلاً عن الجامعات ومراكز البحوث المستقلة ومنظمات المجتمع المدني، بما يضمن توحيد الجهود ضمن إطار وطني جامع. وختم سلوم بالتأكيد أن حماية المصالح الوطنية العراقية في القرن الحادي والعشرين لن تتحقق عبر الدبلوماسية الرسمية وحدها، بل من خلال تفعيل الدبلوماسية متعددة المسارات، وتحويل العراقيين في الخارج، والتنوع الديني والحضاري الذي يمتلكه العراق، إلى مصادر دائمة للقوة الناعمة والنفوذ الدولي، مشيراً إلى أن الدول باتت تقاس اليوم ليس فقط بما تمتلكه من قدرات عسكرية أو اقتصادية، وإنما أيضاً بقدرتها على توظيف هويتها وتنوعها وطاقاتها البشرية لخدمة مصالحها الوطنية.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن