في ورش البناء والمطاعم والمحال الصغيرة وأسواق العمل اليومية في مدن عراقية عدة، يبرز تحول هادئ في طبيعة المنافسة على فرص العمل. فمع تزايد أعداد العمالة الأجنبية، وخاصة "غير النظامية" منها، بدأ سوق العمل، خصوصاً في القطاعات غير المنظمة، يشهد تغيرات ملحوظة في مستوى الأجور وآليات التوظيف، ما أثار نقاشاً مجتمعياً حول تأثير هذه الظاهرة على فرص العمل للعراقيين.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى دخول آلاف العمال الأجانب إلى العراق خلال السنوات الأخيرة بطرق غير نظامية، ينتمي كثير منهم إلى جنسيات آسيوية وإقليمية، بينهم باكستانيون ولبنانيون وسوريون وإيرانيون وجنسيات أخرى. ويعمل معظمهم في قطاعات البناء والخدمات والمطاعم والأعمال اليدوية، وهي القطاعات نفسها التي تشكل مصدراً رئيسياً لرزق العمالة العراقية محدودة الدخل.
في أحد أسواق العمل اليومية في بغداد، يقول عامل بناء عراقي، يبلغ من العمر 32 عاماً، إن حصوله على فرصة عمل بات أصعب مما كان عليه قبل سنوات.
ويوضح لـ"العربي الجديد" أن "العمل لم يعد متوفراً كما كان، وأحياناً يتم الاتفاق بين أرباب العمل وعمال أجانب للعمل بأجور أقل"، مشيراً إلى أن ذلك أجبر كثيراً من العمال المحليين على القبول بأجور منخفضة أو البحث عن مهن مختلفة. ويرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن هذه التحولات لا تظهر بشكل مباشر في الإحصاءات الرسمية للبطالة، لكنها تترك آثاراً تدريجية على مستوى الدخل والاستقرار الاقتصادي للعائلات التي تعتمد على العمل اليومي. من جانبه، يوضح الباحث في قضايا العمل والهجرة، رافد البدري، أن "العمالة الأجنبية غير القانونية تمثل جزءاً من اقتصاد ظل واسع النطاق".
ويقول لـ"العربي الجديد" إن "هذه العمالة تعمل خارج منظومة الضرائب والضمان الاجتماعي، ما يعني أن الدولة تخسر مورداً مالياً مهماً، فضلاً عن صعوبة تنظيم هذا القطاع أو مراقبة ظروف العمل فيه". ويضيف أن "غياب التسجيل الرسمي يجعل من الصعب معرفة الأعداد الحقيقية للعمالة الأجنبية أو توزيعها الجغرافي والمهني، الأمر الذي يحد من قدرة الجهات المعنية على وضع سياسات سوق عمل دقيقة".
في المقابل، يشير بعض أصحاب المشاريع الصغيرة إلى أن اعتمادهم على العمالة الأجنبية يعود إلى اعتبارات عدة، أبرزها انخفاض الكلفة واستقرار العامل في الوظيفة لفترات أطول. ويقول الحاج خالد أبو حسن، وهو صاحب محطة لغسل السيارات في بغداد، لـ"العربي الجديد"، إن "المشاريع الصغيرة تواجه ضغوطاً مالية، وأي فارق في الأجور يمكن أن يؤثر في استمرارية العمل، لذا نبحث عن العامل بأقل ما يمكن من الأجور". ويرى مختصون أن هذه الظاهرة ترتبط أيضاً بضعف تنظيم سوق العمل في بعض القطاعات، وغياب آليات واضحة لضبط التوظيف في الأعمال اليومية والمهن غير الرسمية.