01 Apr
01Apr


منتصر صباح الحسناوي


اعتدت أن أكتب عن هذا اليوم بشكلٍ سنوي، لأن جزءاً من جماليته يكمن بالتعريف والتثقيف به، فعندما يذوب الثلج ويتساوى الليل والنهار وتعود الأرض إلى اخضرارها، الزمن نفسه يعيد ترتيب ذاكرته، وكأن الحياة تفتح دورتها من جديد، بهدوءٍ يشبه البدايات الأولى.


في مثل هذه الأيام، كانت مدن سومر تحتفل بعيدٍ عُرف باسم “أكِيتِ” (Akiti)، ثم انتقل في صيغته الأوسع إلى البابليين والآشوريين باسم “أكيتو” (Akītu)، ليصبح لاحقاً عيد رأس السنة في حضارات بلاد ما بين النهرين.أما في النصوص الأكدية فكان يُشار إليه أحياناً بـ “ريش شاتيم” (Rēš šattim) أي رأس السنة، وفي الآرامية والسريانية لاحقاً حمل معنى البداية الزمنية المتجددة، حتى استمر أثره في الذاكرة الآشورية المعاصرة بوصفه افتتاحاً لسنةٍ جديدة.


وإذا ما أردنا تأصيله زمنياً وفق التقويم الآشوري المعتمد اليوم، فإن جذور هذا العيد تُعاد إلى ما يقارب 6776 عاماً من الحضور الرمزي في الذاكرة الرافدينية، وهو رقم يعكس عمق الامتداد الحضاري الذي لم ينقطع.


أكيتو هو تعبير مكثف عن رؤية كونية كاملة؛ إذ يرتبط بفكرة الخلق الأولى، وبانتصار النظام على الفوضى، كما ورد في النص البابلي الشهير “إنوما إيليش”، إذ يُعاد سرد ملحمة الخلق في كل عام، وكأن الكون يحتاج إلى تثبيت توازنه مع كل دورة زمنية جديدة.


كانت طقوس أكيتو تمتد اثني عشر يوماً، تبدأ من المعابد داخل المدينة، ثم تنتقل إلى الفضاء العام عبر المواكب، وتبلغ ذروتها في اليوم الثامن، عند خروج ملك بابل في موكب مهيب، مصحوباً بتمثال الإله مردوخ، عابراً شارع الموكب، الذي لا زال شاهداً على ذلك تحتضنه آثار بابل مروراً ببوابة عشتار، وصولاً إلى بيت أكيتو خارج الأسوار.هناك، في ذلك الفضاء المفتوح، يُعاد تمثيل لحظة الخلق، وتُتلى النصوص المقدسة، ويُستشرف العام القادم.


غير أن البعد الأكثر عمقاً في هذا العيد يكمن في وظيفته السياسية، ففي أكيتو، لا يبقى الملك فوق المساءلة، بل يقف أمام الكاهن الأكبر في طقسٍ رمزي يُجرد فيه من مظاهر سلطته مؤقتاً، ويُختبر تواضعه وشرعيته أمام الإله مردوخ.

هذا الطقس، بما يحمله من دلالات، يكشف عن تصور مبكر لفكرة أن السلطة لا تُمنح مرة واحدة، بل تحتاج إلى تجديدٍ أخلاقي ورمزي مستمر، وأن الحكم، مهما بلغ من القوة، يظل مشروطاً برضى منظومة أعلى منه.


ومن هنا، هناك بنية فكرية عميقة استمرت بصيغ مختلفة داخل الوعي الجمعي لشعوب هذه المنطقة. ففكرة البداية، وإعادة التوازن، وربط السلطة بالأخلاق، كلها مفاهيم ما زالت تتكرر، وإن تغيّرت أدوات التعبير عنها.

اليوم، عندما يُحتفى بأكيتو في بعض المجتمعات العراقية والسورية، لا يُنظر إليه كإعلان عن هوية تمتد عبر الزمن، لا تختزل بالدين أو القومية، إنما تتجذر في المكان نفسه… في هذه الأرض التي اعتادت أن تعيد تعريف نفسها مع كل مرحلة.


وهنا يبرز سؤال أكثر عمقاً:هل نحن أمام طقسٍ تاريخي يُستعاد، أم أمام فكرة لم تغادرنا أصلاً؟
العراق، بكل ما مرّ عليه من تحولات، ما يزال يعيش إيقاع “أكيتو” بطريقته الخاصة؛ فكل مرحلة انهيار يعقبها بحث عن بداية، وكل فوضى تستدعي محاولة لإعادة النظام، وكأن البنية العميقة لهذا المكان لم تتغير، حتى وإن تبدلت الأسماء والأنظمة.


ربما لم نعد نسير في مواكب مردوخ، ولم نعد ننتظر الكاهن ليمنح الشرعية، لكن فكرة “البداية” ما زالت تسكننا، وفكرة أن الزمن يمكن أن يُستأنف من جديد لم تغادر وعينا.


أكيتو، في هذا المعنى، ليس عيداً قديماً…إنه طريقة في فهم الزمن، وهوية تتشكل مع كل ربيع، وتُعيد طرح السؤال ذاته:كيف يمكن لأرضٍ مثقلةٍ بالتاريخ وتراكم الأحداث أن تبدأ من جديد؟


ومع كل نيسان، يبدو أن العراق، كما كان دائماً، يحاول أن يكتب أكيتوه الخاص…

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن