29 Jun
29Jun


بقلم: نصير العلي 

أثار الحديث الذي صدر  لمسؤولين عراقيين عن احتمال إعادة النظر بعضوية العراق في منظمة أوبك جدلاً واسعاً في الأوساط النفطية والاقتصادية، لا سيما أن العراق ليس عضواً عادياً في المنظمة، بل هو أحد مؤسسيها الخمسة عندما احتضنت بغداد في أيلول عام 1960 الاجتماع التاريخي الذي ولدت منه أوبك.

ورغم أن الدعوات إلى الانسحاب تنطلق من رغبة مشروعة بزيادة الإنتاج ورفع الإيرادات، إلا أن قراءة متأنية لواقع السوق النفطية تؤكد أن خروج العراق من المنظمة قد يحمل مخاطر اقتصادية كبيرة تفوق المكاسب المتوقعة.العراق ينتج حالياً ما يقارب 4 ملايين برميل يومياً، ويعتمد على النفط في تمويل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة، فيما تشكل الصادرات النفطية نحو 95% من إجمالي الإيرادات الخارجية. 

هذه الأرقام تعني أن أي انخفاض في أسعار النفط سينعكس مباشرة على الرواتب والمشاريع الاستثمارية والخدمات العامة.

ولو افترضنا أن العراق قرر الانسحاب وزيادة إنتاجه بمقدار مليون برميل يومياً، فإن دولاً أخرى قد تتجه إلى الخطوة نفسها حفاظاً على حصصها السوقية، الأمر الذي قد يخلق فائضاً عالمياً يتجاوز 3 إلى 4 ملايين برميل يومياً.

 وقد أثبتت تجربة عام 2020 أن زيادة المعروض العالمي أدت إلى انهيار الأسعار إلى أقل من 20 دولاراً للبرميل، بل إن خام غرب تكساس سجل أسعاراً سالبة لأول مرة في التاريخ.

اقتصادياً، فإن انخفاض سعر برميل النفط العراقي بمقدار 10 دولارات فقط يعني خسارة سنوية تتجاوز 14 مليار دولار، استناداً إلى متوسط صادرات يومية تبلغ نحو 3.3 ملايين برميل. فكيف إذا هبطت الأسعار بمقدار 20 أو 30 دولاراً نتيجة حرب حصص إنتاجية جديدة؟إن انسحاب العراق، بوصفه ثاني أكبر منتج في أوبك، قد يبعث أيضاً برسائل سلبية إلى الأسواق والمستثمرين، ويضعف قدرة المنظمة على إدارة التوازن بين العرض والطلب، الأمر الذي يهدد استقرار الأسواق العالمية في وقت يشهد العالم تحولات جيوسياسية كبيرة واضطرابات في إمدادات الطاقة.

لكن الحفاظ على المصالح العراقية لا يتطلب بالضرورة الانسحاب من أوبك، بل يمكن تحقيقه عبر عدة بدائل أكثر واقعية، منها:

أولاً: التفاوض داخل المنظمة للحصول على حصة إنتاجية أعلى تأخذ بنظر الاعتبار الظروف الاستثنائية التي مر بها العراق خلال العقود الأربعة الماضية من حروب وحصار وإرهاب.

ثانياً: تسريع مشاريع استثمار الغاز المصاحب، إذ ما يزال العراق يحرق كميات تتراوح بين 1.3 و1.5 مليار قدم مكعب يومياً، وهي ثروة يمكن أن تحقق مليارات الدولارات سنوياً وتقلل من استيراد الغاز.

ثالثاً: التوسع في الصناعات التكريرية والبتروكيمياوية لزيادة القيمة المضافة للبرميل العراقي بدلاً من تصديره خاماً.

رابعاً: بناء تحالفات داخل أوبك مع الدول ذات المصالح المشتركة لتطوير آليات أكثر مرونة لتحديد الحصص الإنتاجية.

خامساً: تنويع الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على النفط، بحيث لا يبقى سعر البرميل المحدد الوحيد لمصير المالية العامة.لقد وُلدت أوبك في بغداد قبل ستة وستين عاماً دفاعاً عن حقوق المنتجين واستقرار الأسواق، ولذلك فإن مصلحة العراق الاستراتيجية لا تكمن في مغادرة المنظمة، بل في تعزيز دوره القيادي داخلها وانتزاع حقوقه عبر الحوار والتفاوض والإصلاح، لأن تقوية أوبك أكثر جدوى من وأدها.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن