عندما تكشف الأزمة المالية خلل بنية الدولةتواجه الدولة العراقية اليوم تحديًا يتجاوز مسألة تأمين الرواتب في مواعيدها، فالأزمة المالية الحالية أعادت إلى الواجهة سؤالًا أكبر يتعلق بقدرة الدولة على الاستمرار وفق النموذج الإداري والمالي القائم.
فالرواتب تمثل حقًا مشروعًا للموظفين والمتقاعدين، وهي التزام أساسي من التزامات الدولة تجاه مواطنيها، لكن تحول ملف الرواتب في كل أزمة مالية إلى مصدر قلق عام يستدعي التوقف عند السؤال الأهم: لماذا أصبحت قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية شديدة التأثر بأي تراجع في الإيرادات؟
قد يرى البعض أن السبب المباشر للأزمة الحالية يرتبط بانخفاض كمية النفط المصدر أو بالظروف الطارئة التي تؤثر في حركة التصدير والأسواق العالمية، ولا شك أن مثل هذه العوامل تزيد من الضغوط على المالية العامة.
لكن الأزمات الطارئة لا تصنع الاختلالات البنيوية، وإنما تكشفها.فالدولة التي تمتلك نظامًا ماليًا وإداريًا متوازنًا تستطيع التعامل مع التقلبات المؤقتة، أما عندما تتحول أي صدمة في الإيرادات إلى أزمة تهدد انتظام الالتزامات الأساسية، فهذا يعني أن هناك خللًا أعمق يحتاج إلى مراجعة.
لقد اعتمد العراق خلال العقود الماضية على النفط كمصدر رئيس للإيرادات، ومع مرور الزمن توسعت التزامات الدولة المالية، وتضخم حجم الجهاز الحكومي، وأصبحت الوظيفة العامة تتحمل أدوارًا تتجاوز مهمتها الطبيعية في إدارة المؤسسات وتقديم الخدمات.
المشكلة هنا ليست في الموظف الذي يعمل في مؤسسات الدولة، وليس في حق المواطن في الحصول على فرصة عمل مستقرة، فالموظفون هم جزء أساسي من الدولة، وهم يؤدون دورًا مهمًا في استمرار مؤسساتها.
لكن المشكلة تكمن في الطريقة التي توسعت بها الدولة، وفي غياب المراجعة المستمرة لحجم المؤسسات، وطبيعة وظائفها، ومدى انسجام أعداد العاملين فيها مع احتياجاتها الفعلية.
فالمؤسسات الحكومية لا تقاس فقط بعدد العاملين فيها، وإنما بقدرتها على تحقيق أهدافها بكفاءة. وعندما يزداد حجم الجهاز الإداري من دون توسع مماثل في الخدمات أو الإنتاجية، فإن النتيجة تكون ضغطًا متزايدًا على الموازنة، وتراجعًا في قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو الاستثمار والتنمية وخلق فرص العمل.
إن خطورة المشكلة لا تكمن فقط في حجم الإنفاق الحالي، بل في أن استمرار النموذج نفسه يعني أن الدولة ستبقى رهينة لدورات الأزمات؛ تتحسن أوضاعها عندما ترتفع أسعار النفط، وتتعرض لضغوط كبيرة عندما تنخفض الإيرادات.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف نعالج أزمة مالية عابرة؟
بل: كيف نعيد بناء دولة قادرة على الصمود أمام الأزمات، وتحقيق التوازن بين التزاماتها الحالية ومتطلبات المستقبل؟
إن إصلاح الدولة العراقية لا يعني تقليص دورها، ولا التخلي عن مسؤولياتها الاجتماعية، ولا تحميل الموظفين مسؤولية اختلالات تراكمت عبر سنوات طويلة. بل يعني إعادة النظر في طريقة إدارة المؤسسات، وتحسين كفاءتها، وضمان أن تكون موارد الدولة موجهة نحو ما يحقق أفضل خدمة للمواطن وأكبر أثر للتنمية.
فالدول لا تضعف فقط بسبب نقص الموارد، بل قد تضعف عندما تصبح طريقة إدارة الموارد غير قادرة على مواكبة حاجاتها وتحدياتها.
إن استمرار معالجة الأزمات بالحلول المؤقتة قد يمنح بعض الوقت، لكنه لا يقدم علاجًا دائمًا. وكلما تأخر الإصلاح أصبحت كلفته أكبر، وأصبحت الخيارات المتاحة أمام الدولة أكثر صعوبة.
إن العراق لا يحتاج اليوم إلى إدارة أزمة جديدة فقط، بل يحتاج إلى مشروع إصلاح حقيقي يعيد بناء مؤسساته على أسس أكثر كفاءة واستدامة، ويحافظ على حقوق العاملين فيها، ويمنح الدولة القدرة على الانتقال من رد الفعل أمام الأزمات إلى التخطيط وصناعة المستقبل.فالإصلاح لم يعد خيارًا يمكن تأجيله إلى وقت آخر، بل أصبح ضرورة للحفاظ على قدرة الدولة العراقية على أداء دورها وخدمة مواطنيها.
سامي العسكري
كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة