21 Mar
21Mar


يُعد الاقتصاد العراقي نموذجاً تقليدياً للاقتصاد الريعي، إذ يعتمد بشكل شبه كلي على العوائد النفطية التي تشكّل أكثر من 95% من الإيرادات العامة، وقد أدى هذا الاعتماد المفرط، عبر عقود طويلة، إلى تهميش القطاعات الإنتاجية الأخرى، ما جعل البنية الاقتصادية هشّة ومعرضة بدرجة عالية لتقلبات الأسواق النفطية والصدمات الخارجية.

في هذا السياق، تتسم منظومة تصدير النفط العراقي بدرجة عالية من التركّز الجغرافي، حيث يتم تصدير الغالبية العظمى من النفط عبر الموانئ الجنوبية المطلة على الخليج العربي، مروراً بمضيق هرمز الذي يعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة عالمياً، والذي تمر عبره أكثر من 20% من تجارة النفط العالمية، في المقابل، تبقى البدائل التصديرية محدودة وغير مستقرة، كما هو الحال مع خط كركوك – جيهان المتجه إلى ميناء جيهان، الأمر الذي يعمّق من هشاشة الأمن التصديري العراقي.تتفاقم هذه الهشاشة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، لا سيما الصراع بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، والذي ينعكس مباشرة على أمن إمدادات الطاقة العالمية، والتي أفرزت تعطيلالملاحة في مضيق هرمز، لذا بات العراق يواجه معضلة مركبة، تتمثل في عدم قدرته على تصدير نفطه رغم ارتفاع الأسعار عالمياً.

ومن زاوية الاقتصاد الدولي، تشير الأدبيات الحديثة إلى وجود علاقة طردية واضحة بين أسعار النفط وأسعار السلع الأساسية، لا سيما الغذاء، فبينما يظل هذا التأثير محدوداً نسبياً في الاقتصادات المتقدمة، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10% إلى زيادة أسعار الغذاء بنحو 0.3% فقط، فإنه يتضخم بشكل ملحوظ في الدول النامية، إذ تُظهر التقديرات أنَّ كل زيادة بنسبة 1% في أسعار النفط قد تقود إلى ارتفاع أسعار الغذاء بنحو 0.5% تقريباً، مما يعني أنَّ ارتفاع النفط بنسبة 20% قد يترجم إلى زيادة تتراوح بين 8% و10% في أسعار السلع الغذائية، خاصة في الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، ويُعد العراق من بين هذه الحالات، نظراً لاعتماده الكبير على الخارج في تلبية احتياجاته الاستهلاكية، وضعف قاعدته الإنتاجية المحلية.وفي هذا السياق، تبرز مفارقة مهمة تتعلق بتباين مستويات التأثر بين أطراف الصراع؛ إذ يُتوقع أنْ يكون تأثير الصدمات الاقتصادية على إيران أقل حدّة مقارنة بالعراق، نظراً لامتلاكها قاعدة إنتاجية أكثر تنوعاً، ومستوى أعلى من الاكتفاء النسبي في بعض القطاعات الصناعية والزراعية، فضلاً عن خبرتها في التكيّف مع القيود الخارجية والعقوبات، بالمقابل، يفتقر العراق إلى هذه المقومات البنيوية، ما يجعله أكثر عرضة للاضطرابات في سلاسل الإمداد والتجارة الخارجية، وأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومن هنا تبرز ما يمكن تسميته بـ(الخسارة المزدوجة) فمن جهة، حُرم الاقتصاد العراقي من الاستفادة من العوائد النفطية نتيجة تعطل الصادرات، ومن جهة أخرى، يتأثر سلباً بارتفاع أسعار السلع الأساسية المستوردة، وهو ما يفاقم من الضغوط التضخمية ويزيد الأعباء المعيشية.

ولمقاربة هذا السيناريو، حدث في عام 2022، خلال الحرب الروسية الأوكرانية، عندما استفاد العراق من ارتفاع أسعار النفط عبر زيادة إيراداته المالية، رغم ما رافق ذلك من ارتفاع في معدلات التضخمبسبب ارتفاع السلع المستوردة، إلا أنَّ الفارق الجوهري في الحالة الراهنة يتمثل في تعطل القدرة التصديرية، ما يلغي الفائدة الأساسية من ارتفاع الأسعار، ويُبقي فقط على آثاره السلبية.

ختامًا، تكشف هذه المعادلة عن إشكالية بنيوية عميقة في الاقتصاد العراقي، تتمثل في غياب التنويع الاقتصادي وضعف البنية التحتية التصديرية، وعليه، فإن مواجهة مثل هذه الصدمات لا تتطلب فقط إدارة ظرفية للأزمات، بل تستدعي إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني عبر تنويع مصادر الدخل، وتطوير مسارات تصدير بديلة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد من خلال دعم المنتوجات الوطنية، بما يعزز من قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الخارجية وتحويل التحديات إلى فرص.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن