منتصر صباح الحسناوي
على يقين إن الطنطل والسعلوة اللذان أخافانا في مقتبل حياتنا لن يخيفا أولادنا ، فهم كبروا في عالم لا مكان فيه لتلك الكائنات التي سكنت مخيلتنا ورافقت خطواتنا في الطرق المظلمة، وجعلتنا نلتفت خلفنا خشية أن يظهر أحدها من بين الأشجار أو أطراف البساتين. أتساءل اليوم، وأنا أرى العالم يتغير أمامنا بسرعة مذهلة، عن مصير آلاف القصص والمعتقدات التي نشأنا عليها، وتلقيناها باعتبارها حقائق ثم اكتشفنا أن كثيراً منها لم يكن يستند إلى دليل يتجاوز تكرار الرواية وتصديق الآخرين لها.
كثيرة هي المعتقدات التي تسكن ذاكرتنا الجمعية، بعضها ديني، وبعضها تاريخي أو أسطوري، وغيرها ولد من البيئة المحلية وتجارب الناس وتفسيراتهم للظواهر الطبيعية.
موروثات انتقلت إلينا عبر الأجيال وتكررت في الكتب والمجالس والمدارس والبيوت، حتى اكتسبت سلطة الحقيقة وبات التشكيك فيها أقرب إلى الخروج عن المألوف.
وربما لم يكن أكثر ما منحها قوتها هو الدليل على صحتها وإنما اتفاق الجماعة على تصديقها، فالرواية التي يرددها الآباء ويؤكدها الأجداد وتتناقلها الكتب، تبدو مع مرور الزمن كأنها حقيقة مستقرة دليلها " قالها الكتاب الفلاني أو المؤلف الفلاني .. حتى لو كانت تلك الكتب جميعها تنقل عن مصدر واحد دون أثر.
تأخذنا هذه المسألة إلى روايات كبرى رافقت التاريخ الإنساني، من طوفان الكرة الارضية الذي نجد له حضوراً في الأساطير الرافدينية القديمة، ثم في النصوص الدينية اللاحقة، إلى حكايات المعجزات والأحداث الخارقة التي تتناقلها ثقافات وأديان متعددة.
فالعلم، مثلاً، لا يقدم دليلاً على وقوع طوفان غمر الأرض كلها خلال التاريخ البشري، كما لا تتوافر أدلة علمية مستقلة تثبت كثيراً من الأحداث الخارقة المروية.
وهنا تبرز مسألة معرفية تستحق التأمل؛ فإمكان وقوع الحدث في الاعتقاد الديني شيء، ووجود دليل على وقوعه تاريخياً شيء آخر. ولعل الفرق بينهما لم يكن واضحاً دائماً في الوعي الجمعي الذي كثيراً ما منح الرواية المتوارثة منزلة الحقيقة المثبتة.
الأمر لا يقتصر على الروايات الدينية والتاريخية؛ ففي بيئاتنا الزراعية والاجتماعية عشرات المعتقدات المرتبطة بالتشاؤم والتفاؤل ومواعيد الزراعة وحركة الحيوانات والأشجار التي تجلب الفقر أو الرزق، والأحداث التي يفسرها الناس بإشارات غيبية.
بعضها قد يستند إلى خبرة بيئية تراكمية تستحق الدراسة واخرى مجرد تصورات ترسخت بالتكرار، لكنها جميعاً تكشف عن قدرة البيئة الاجتماعية على تشكيل فهم الإنسان للعالم المحيط به.
ذلك يجعلنا نتسائل عن الذي سيحدث للأجيال القادمة وهي تنشأ وسط ثورة معرفية غير مسبوقة، يستطيع فيها الطفل أن يسأل هاتفه عن أصل قصة ما، ويقارن بين الروايات ويطالع الاكتشافات العلمية ويصل خلال لحظات إلى معلومات كانت تحتاج من الأجيال السابقة سنوات من القراءة والبحث؟ إن الذكاء الاصطناعي، بما يتيحه من تفاعل مباشر مع المعرفة، قد يغير طريقة تشكل القناعات منذ الطفولة، رغم ما تحمله هذه التقنيات نفسها من أخطاء ومعلومات مضللة.أعتقد أن الفارق الجوهري سيكون بين جيل ورث المعتقد قبل أن يمتلك أدوات مساءلته، وجيل قد يمتلك تلك الأدوات قبل أن يستقر المعتقد في وجدانه. فالأول يحاول مراجعة فكرة أصبحت جزءاً من ذاكرته وهويته، والثاني فقد يسأل عن دليلها قبل أن يؤمن بها أصلاً. وربما يكون تغيير القناعة الراسخة أصعب بكثير من عدم تبنيها منذ البداية.
قد يقودنا هذا التحول إلى نتائج تتجاوز حدود المعتقدات نفسها، لتلامس الخصوصية الثقافية للمجتمعات.
فكثير من القصص والطقوس والتصورات نشأت في بيئات جغرافية محددة أسهمت في صناعة ملامحها الثقافية، ومع اتساع المعرفة العالمية وتقارب مصادرها قد تتراجع بعض هذه الخصوصيات، وتتحول المعتقدات التي عاشها الأجداد باعتبارها حقائق إلى قصص يرويها الأحفاد باعتبارها تراثاً. وربما تحتفظ المجتمعات بذاكرتها دون أن تحتفظ بالضرورة بكل ما اعتقدته تلك الذاكرة.لست متيقناً مما ستؤول إليه هذه التحولات، فالإنسان قادر على صناعة أوهام جديدة مثلما هو قادر على اكتشاف أخطاء القديمة، لكنني أرى أننا أمام احتمال لتحول عميق في علاقة الأجيال القادمة بالموروث، قد يجعل المعرفة والدليل أكثر حضوراً في تشكيل قناعاتها.
ولعل أبناءنا لن يخافوا من الطنطل الذي أخافنا، ولن يصدقوا كثيراً مما صدقناه، لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً: هل سيجعلهم اتساع المعرفة أكثر قدرة على اكتشاف الحقيقة، أم أنهم سيتركون قصص أجدادهم ليصنعوا أخرى بأدوات أكثر حداثة؟