د. سيف الدين زمان الدراجي
باحث في شؤون السياسة الخارجية والأمن الدولي.*
من زاوية الدراسات الأمنية والإستخبارية، تمثّل الفواعل الإقليمية ذات البنية الشبكية التي تمزج بين الأذرع الجغرافية والوحدات الوظيفية المتخصصة وأذرع بناء القدرات التقنية أحد أكثر نماذج التأثير عبر الحدود تعقيداً في بيئة الشرق الأوسط المعاصرة.
وفهم منطقها التنظيمي ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة مهنية لأي دولة تسعى لضبط سيادتها على أراضيها وحدودها ومواردها، خصوصاً في بيئة إقليمية تتقاطع فيها مصالح فاعلين متعددين، دوليين وإقليميين ومحليين.
هذا المقال يقدّم قراءة تنظيمية محايدة لنموذج شبكة إقليمية نشطة في عدة مسارح بالمنطقة، مع التركيز على الأبعاد ذات الصلة المباشرة بالأمن القومي العراقي وملف إصلاح القطاع الأمني، بمعزل عن أي تموضع سياسي أو إعلامي تجاه أي دولة بعينها.
يمكن تفسير مرونة هذا النوع من الشبكات إقليمياً عبر ثلاثة مسارات تنظيمية متوازية:
*المسار الجغرافي* :
تقسيم العمل إلى أذرع إقليمية متخصصة بكل مسرح جغرافي، تدير العلاقة مع الفاعلين المحليين في ذلك المسرح وفق خصوصياته السياسية والاجتماعية. هذا النموذج يتيح درجة عالية من المرونة التكتيكية، لكنه في المقابل يخلق تشابكاً صعب الفصل بين السياسات المحلية الداخلية لأي دولة مستضيفة وبين أجندات خارجية موازية.
*المسار الوظيفي* :
وجود وحدات متخصصة تعمل أفقياً عبر كل المسارح في مجالات اللوجستيات، والتقنية، والتدريب بصرف النظر عن الحدود السياسية.
هذا التقسيم الوظيفي هو ما يفسّر مرونة هذا النوع من الشبكات في الاستمرار حتى عند حدوث اضطرابات قيادية أو تشغيلية في أي مسرح بعينه.
*المسار التقني والتدريبي* :
آلية منهجية لنقل المعرفة والقدرات التقنية إلى الفاعلين المحليين، عبر استقدام عناصر للتدريب وإعدادهم كمراكز خبرة محلية قادرة على الإنتاج والصيانة المستقلة.
هذا النموذج تحديداً هو الأخطر من زاوية الأمن الإقليمي، لأنه يحوّل الفاعلين المحليين من مستفيدين من الدعم إلى حاملين مستقلين للقدرة، وهو تحول يصعب الرجوع عنه حتى لو انقطع الدعم الخارجي لاحقاً.من منظور أمني بحت، يحتل العراق موقعاً مفصلياً في معادلة الشبكات الإقليمية، ليس بصفته ساحة صراع فحسب بل بصفته عقدة وصل جغرافية واستراتيجية بين عدة مسارح إقليمية متجاورة.
هذا الموقع يجعل من ملفات السيادة الوطنية، ضبط الحدود، احتكار الدولة لاستخدام القوة، الشفافية المالية والجمركية، ملفات ذات أولوية مضاعفة، لأن أي خلل في هذه الملفات لا تنحصر كلفته داخل الحدود العراقية، بل تنعكس على شبكة إقليمية أوسع تتجاوز الدولة العراقية نفسها.
من هنا، فإن أي مقاربة جادة لإصلاح القطاع الأمني العراقي من حيث إعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، وضبط المعابر الحدودية، وتعزيز الرقابة على الحركة المالية غير الرسمية لا يمكن أن تُبنى على افتراض أن العراق طرف سلبي يتأثر بمحيطه فقط، بل يجب أن تنطلق من إدراك أن موقع العراق الجغرافي يجعله عنصراً فاعلاً سلباً أو إيجاباً في استقرار أو عدم استقرار شبكة إقليمية أوسع.
لقد شهدت البيئة الإقليمية خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة أثرت في أنماط الحركة والتجارة واللوجستيات العابرة للحدود، وأدت إلى إعادة تقييم العديد من المسارات التقليدية وظهور بدائل جديدة أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات السياسية والأمنية والاقتصادية.
وفي ظل هذه التحولات، تزداد أهمية الموقع الجغرافي للعراق بوصفه نقطة اتصال محورية في المنطقة، الأمر الذي يستدعي تطوير قدرات الرصد والتحليل الاستراتيجي لفهم تداعيات هذه المتغيرات على الأمن القومي والمصالح العراقية بعيدة المدى.
إن التعامل المهني مع هذا الملف يستوجب الانتقال من الخطاب السياسي العام إلى تحليل تنظيمي دقيق يأخذ بعين الاعتبار البنية الشبكية متعددة الطبقات لهذا النوع من الفعاليات، بدلاً من الاختزال في صور مُبسّطة.
وبالنسبة لصانع القرار العراقي، فإن الأولوية المهنية تبقى في تعزيز قدرة الدولة على احتكار استخدام القوة، وضبط الحدود والمعابر، وتطوير منظومة استخباراتية وأمنية وطنية قادرة على رصد هذه التحولات بشكل مستقل، بصرف النظر عن أي تحالفات أو علاقات سياسية قائمة و بما يخدم مصلحة العراق وسيادته على المدى الطويل.