بقلم : نصير العلي
انسحاب الإمارات من منظمة أوبك – إن تم أو طُرح كخيار جدي – لا يمكن قراءته كخطوة فنية مرتبطة بالإنتاج فقط، بل كتحول في التموضع الاستراتيجي ضمن سوق الطاقة العالمي وإعادة تعريف للعلاقة مع المنظومة الخليجية والدولية.
من حيث الوزن داخل أوبك، تمثل الإمارات ثاني أو ثالث أكبر طاقة إنتاجية فعلية بعد السعودية (بحسب معايير الاحتساب بين الطاقة القصوى والإنتاج الفعلي)، وتمتلك قدرة توسعية عالية تفوق 4 ملايين برميل يومياً. خروج لاعب بهذه المواصفات يضرب أحد أهم أعمدة المنظمة: الالتزام الجماعي بنظام الحصص (Quota Discipline).
هذا النظام هو ما يمنح أوبك قدرتها على إدارة العرض والتأثير في الأسعار، وأي اختراق فيه يخلق سابقة تدفع دولاً أخرى – خاصة تلك التي تمتلك طاقة فائضة – إلى إعادة النظر بالتزاماتها.
الأثر على أوبك سيكون مزدوجاً:
* هيكلياً: تراجع القدرة على ضبط السوق، لأن كل برميل إضافي خارج منظومة الحصص يقلل من فاعلية قرارات الخفض أو الزيادة.* سياسياً: تعزيز الانطباع بأن المنظمة لم تعد متماسكة، وهو ما يضعف موقعها التفاوضي أمام المستهلكين الكبار، خصوصاً الولايات المتحدة.
أما التوقيت، فلا يبدو منفصلاً عن الضغوط الأمريكية المتكررة على أوبك، والتي تتهمها برفع الأسعار بشكل مصطنع. في هذا السياق، قد يُفهم أي تحرك إماراتي – ولو كان تكتيكياً – كرسالة مزدوجة:
1. للولايات المتحدة: استعداد للتماهي مع منطق “تحرير الإنتاج” وزيادة الإمدادات بعيداً عن القيود الجماعية.2. لأوبك نفسها: أن الالتزام الصارم بالحصص لم يعد يخدم مصالح جميع الأعضاء بالتساوي.
في العمق، المسألة ترتبط بخلافات سابقة بين الإمارات والسعودية حول خطوط الأساس الإنتاجية (Baseline Production) في 2021 و2023، حيث رأت أبوظبي أن حصتها لا تعكس استثماراتها الضخمة في توسيع الطاقة الإنتاجية.
من هذا المنظور، أي خطوة باتجاه فك الارتباط أو التلويح به تعني عملياً: الانتقال من منطق “إدارة السوق” إلى منطق “تعظيم الحصة السوقية”.
لكن هل نحن أمام مواجهة جديدة مع السعودية؟ليس بالضرورة مواجهة مباشرة، بقدر ما هو تنافس هادئ على النفوذ داخل سوق الطاقة.
السعودية ما تزال تمتلك القدرة الأكبر على التأثير عبر طاقتها الاحتياطية ودورها القيادي في “أوبك+”، بينما تراهن الإمارات على المرونة وسرعة التوسع والاستفادة من الفرص السعرية.
بالنسبة للعراق، فإن أي تصدع داخل أوبك يحمل تداعيات حساسة:
* العراق يعتمد بشكل شبه كلي على الإيرادات النفطية، ويستفيد من استقرار الأسعار أكثر من ارتفاعها المؤقت.
* خروج الإمارات – أو ضعف التزامها – قد يدفع الأسعار إلى تقلبات حادة: ارتفاع قصير الأمد نتيجة الارتباك، ثم ضغوط هبوطية إذا زاد المعروض.
* كما قد يضع العراق أمام معادلة صعبة: إما الالتزام بحصص صارمة بينما الآخرون يتحررون منها، أو الانخراط في سباق إنتاج يضغط على الأسعار ويضر بالإيرادات.
استراتيجياً، العراق ليس في موقع يسمح له بالمغامرة؛ بنيته الاقتصادية والمالية تتطلب انضباطاً إنتاجياً واستقراراً سعرياً، ما يجعله أقرب إلى الموقف السعودي في الحفاظ على تماسك أوبك.
أما الربط بين هذه الخطوة واحتمالات انسحاب الإمارات مستقبلاً من مجلس التعاون الخليجي أو تموضعها الكامل ضمن محور أمريكي–إسرائيلي، فهو تحليل يتجاوز المعطيات الاقتصادية المباشرة.
صحيح أن الإمارات تنتهج سياسة خارجية أكثر استقلالية وتنوعاً في الشراكات، لكن فك الارتباط المؤسسي الكامل مع الخليج يحمل كلفة جيوسياسية عالية لا تبدو مبررة حالياً.
اخيرا فان انسحاب الإمارات – لن يكون مجرد تعديل في خريطة الإنتاج، بل إشارة إلى تحول أعمق في فلسفة إدارة سوق النفط: من التنسيق الجماعي إلى الفردية التنافسية.
وهذا التحول، إن توسّع، سيضع أوبك أمام اختبار وجودي، ويجعل دولاً مثل العراق أكثر عرضة لمخاطر التقلب وعدم اليقين في أسواق الطاقة..