19 Apr
19Apr


منتصر صباح الحسناوي


أتابع ما يجري في لبنان هذه الأيام، ارى صوراً مكررة على الذاكرة. 

الجنوب اللبناني يعرف هذا المشهد جيداً، وكأن الأرض هناك تحفظ تفاصيل القصة كما تحفظ أسماء قراها " بيوت تُغلق على عجل، طرق تفيض بالنازحين، ووجوه تحمل تعب الرحلة قبل أن تبدأ". الكاميرا تنقل جزءاً من القصة، أمّا ما يختبئ خلفها فيبقى أثقل من أن يُرى.


الجنوب اللبناني لا يعيش المأساة كحدثٍ طارئ، إذ تحوّلت الجغرافية هناك إلى قدرٍ يومي. 

أرض على تماسٍ دائم مع الخطر، وحدود مفتوحة على احتمالات لا تهدأ وسماء اعتادت أن تُختبر فيها صلابة الناس. في هذه المساحة الضيقة بين الخوف والحياة، تشكّلت بطولة مختلفة، حالة ممتدة تُعاش كل يوم. 

أن تبقى في أرضك رغم القلق، أن تعيد فتح بيتك بعد كل نزوح، أن تزرع في أرض تعرف أنها قد تُجرف في أية لحظة، تلك أفعال تُكوّن المعنى الحقيقي للصمود.


 الجهاد في الجنوب يبدأ من الإصرار على البقاء ويتواصل في حماية الأرض، ويمتد ليشمل القدرة على إعادة بناء ما تهدّم دون أن تنكسر الروح. 

هو جهادٌ لا ينحصر في ساحة مواجهة، انه يتوزع على تفاصيل اليوم، في العمل، في الانتظار، في حماية العائلة، وفي حفظ الذاكرة.


هذه الروح وليدة عقود طويلة، تراكبت في الجنوب تجارب قاسية صقلت الناس على إيقاعها. ومع كل أزمة، كانت تتكوّن طبقة جديدة من الوعي، تدرك أن الجغرافية قد تكون قاسية، لكن الإنسان قادر على أن يعيد تعريف علاقته بها.


أتذكر ذلك الحوار الذي دار يوماً في الجنوب، عندما ذكرت اسم موسى الصدر ، فرد علي احد الجالسين مصححاً " الامام موسى الصدر"، كان استدعاء لمعنى أوسع، اذ يرون فيه صوتاً حاول أن يمنح هذا الجنوب لغةً تليق بتضحياته وأن يربط بين العدالة والكرامة والانتماء. حضور له مقام في الذاكرة جزءاً من سردية طويلة تحاول أن تفهم كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنساناً وسط كل هذا الضغط.ومع مرور السنوات، لم تتراجع هذه السردية، إذ انتقلت من جيل إلى آخر، وتحوّلت إلى وعيٍ جمعي باحترام الاخر لا يقتصر على اهل الجنوب بقدر ما كان جامعاً للتنوع اللبناني. 

كثيرون لم يعيشوا تلك المراحل، لكنهم ورثوا معناها. في كل مرة تتكرر فيها المآسي، يعود هذا المعنى إلى الواجهة وكأن الذاكرة نفسها ترفض أن تُختزل في الألم وحده، فتستحضر ما يمنحها القدرة على الاستمرار.


ما يعيشه لبنان اليوم يعيد طرح سؤال الجغرافية بقسوة : كيف يمكن لشعب أن يعيش في منطقة تُعاد فيها كتابة الخطر بشكل متكرر؟وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على توازنه في ظل هذا التقلّب الدائم؟ الجواب يتكوّن ببطء داخل المجتمع نفسه، عبر هذا التراكم من التجارب والمعاني.

في الجنوب، تتجلى الإجابة بطريقة هادئة، الناس هناك لا يبحثون عن بطولة استثنائية، لأنهم يعيشونها يومياً دون إعلان. الجهاد الذي يمارسونه لا يحتاج إلى تعريفات كبيرة، إذ يكفي أن ترى كيف يعودون بعد كل مرة، وكيف يعيدون ترتيب حياتهم كأنهم يعلنون بصمت أن الأرض ليست قابلة للتخلي.وفي هذا المشهد الممتد، تبرز وجوهٌ اختارت أن تكون الحارس الأول لهذا المعنى.رجالٌ لم يفصلوا بين البقاء والفداء، فكانوا حين يشتد الخطر يقفون عند الحد الفاصل بين الأرض وضياعها.بطولة لا تُعلن نفسها كثيراً، لكنها تُعرف من أثرها، في أرضٍ بقيت، وفي بيوتٍ عادت إليها الحياة بعد كل مرة.

تضحيات كُتبت بالدم، لم تحفظ المكان فقط، وإنما منحت الناس سبباً إضافياً ليؤمنوا أن البقاء ممكن، وأن الأرض تستحق أن تُصان بكل ما يُقدَّم لها.

وربما لهذا السبب، تبدو هذه الأرض وكأنها تُعدّ أسماءها بصمت. تحفظ من مرّوا بها، ومن ثبتوا فيها. أسماء لا تُقال دائماً، لكنها حاضرة في كل بيت، وفي كل طريق، وفي كل شجرة بقيت رغم العواصف.


هكذا يتحوّل الألم إلى ذاكرة، وتتحوّل الذاكرة إلى معنى، ويتحوّل المعنى إلى قدرة على الاستمرار. وفي هذا المسار الطويل، يبقى الجنوب شاهداً على أن الإنسان، مهما ضاقت به الأرض، قادر على أن يمنحها معنى أوسع من حدودها وأن يكتب فيها قصة لا تختصرها الحروب، بقدر ما تُكملها الحياة.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن