05 Aug
05Aug


د. سيف الدين زمان الدراجي*

 باحث في شؤون السياسة الخارجية والأمن الدولي


لم تعد الحروب تُخاض بالقوة العسكرية وحدها، ولم يعد الانتصار يُقاس فقط بمقدار الأرض التي تسيطر عليها الجيوش أو عدد الأهداف التي تدمرها. ففي الحروب الحديثة، توجد إلى جانب المعركة العسكرية معركة أخرى لا تقل أهمية، تستهدف عقل الإنسان وإرادته وثقته بقيادته ومؤسساته وقدرته على الاستمرار في المقاومة.

هذه هي معركة الوعي والإدراك والروايات، التي تستخدم فيها الدول والجيوش العمليات النفسية، وعمليات المعلومات، والاتصال الاستراتيجي، والحرب الإلكترونية، والخداع العسكري، والإعلام التقليدي والرقمي؛ بهدف التأثير في الخصوم وحماية الجبهة الداخلية والدفاع عن المصالح الوطنية.


العمليات النفسية هي أنشطة مخططة تستهدف جماهير محددة، بهدف التأثير في تصوراتها ومشاعرها ودوافعها وقراراتها وسلوكها، بما يسهم في تحقيق أهداف سياسية أو أمنية أو عسكرية.

ولا يكون الهدف منها دائماً إقناع الجمهور بتبنّي موقف سياسي متكامل، بل قد يكون أكثر تحديداً، مثل إضعاف معنويات قوات الخصم، أو تشجيع عناصره على الاستسلام، أو دفع المدنيين إلى الابتعاد عن مناطق القتال، أو التشكيك في صدقية قيادة الخصم، أو كشف تناقضات روايته، أو الحد من قدرته على استثمار حادثة معينة لتحقيق مكاسب إعلامية ونفسية.

وتعمل العمليات النفسية في البعد الإدراكي للصراع، أي في الكيفية التي يفهم بها الأفراد والجماعات الأحداث والتهديدات والخيارات المتاحة أمامهم. وهي تسعى إلى تحديد مواطن الضعف النفسية والمعنوية لدى الخصم أو الجمهور المستهدف، ثم تصميم رسائل ووسائل مناسبة لإحداث تأثيرات سلوكية تدعم الأهداف السياسية أو الأمنية أو العسكرية.

وقد تُنفذ هذه العمليات من خلال وسائل متعددة، منها الإعلام التقليدي، والمنصات الرقمية، والمنشورات، والرسائل الميدانية، والاتصال المباشر، والحملات الإعلامية، والصور والمقاطع المصورة، وغيرها من الأدوات التي تُختار وفق طبيعة الجمهور والبيئة والهدف المطلوب.

ومن المهم التمييز بين العمليات النفسية والتضليل. فالعمليات النفسية قد تعتمد على معلومات صحيحة ورسائل مدروسة بهدف التأثير في السلوك، بينما يعني التضليل نشر معلومات كاذبة أو محرّفة بصورة متعمدة. 

ومع ذلك، قد تلجأ بعض الدول والجماعات إلى الخداع أو التلاعب أو الانتقائية في عرض المعلومات عندما تعتقد أن ذلك يخدم مصالحها وأهدافها.


لا تتحرك الدول في البيئة الدولية انطلاقاً من النيات الحسنة وحدها، بل وفقاً لما تحدده من مصالح وأولويات وتهديدات. 

وهي تستخدم لتحقيق ذلك طيفاً واسعاً من الأدوات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والاستخبارية والإعلامية والتكنولوجية.وقد تلجأ الدول إلى أدوات معلنة، مثل البيانات الرسمية والدبلوماسية العامة والإعلام الحكومي، أو إلى وسائل غير معلنة، مثل العمليات الاستخبارية والحملات السيبرانية والتأثير غير المباشر في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية. 

وفي بعض الحالات، قد تتجاوز هذه الأنشطة الحدود الأخلاقية أو القانونية عندما ترى الدولة أن مصالحها أو أمنها مهددان.لذلك، فإن وجود وحدات متخصصة في العمليات النفسية والمعلوماتية داخل دولة ما ليس أمراً استثنائياً أو غريباً، بل هو جزء طبيعي من أدوات القوة التي تستخدمها الدول في المنافسة والصراع. 

ولا يقتصر ذلك على دولة بعينها أو نظام سياسي محدد، وإنما تمارسه معظم القوى الكبرى والإقليمية، وإن اختلفت التسميات والهياكل والأساليب.فالمعيار الحقيقي ليس ما إذا كانت الدولة تمارس التأثير، لأن جميع الدول تقريباً تحاول التأثير، وإنما طبيعة المعلومات التي تستخدمها، والجمهور الذي تستهدفه، ومدى التزامها بالقانون، والغاية التي تسعى إلى تحقيقها.
في عام 2017، ساهم الباحثان كريستوفر ووكر وجيسيكا لودفيغ في تطوير مفهوم القوة الحادة Sharp Power، لوصف الأساليب التي تعتمد على الاختراق والتلاعب وتشويه البيئة المعلوماتية، بدلاً من الاعتماد على الجاذبية والإقناع اللذين تقوم عليهما القوة الناعمة.

وركزت دراساتهما على كيفية استخدام بعض الدول للمعلومات والإعلام والمنصات الثقافية والأكاديمية والرقمية للتأثير في المجتمعات الأخرى، وتقييد النقاشات أو توجيهها أو استغلال الانفتاح الموجود في الدول المستهدفة. 

وقد ساعد هذا المفهوم في توضيح أن الصراع المعاصر لا يدور فقط بين الجيوش والحكومات، بل يمتد إلى الجامعات ومراكز البحوث ووسائل الإعلام وشركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي.

 فالطرف الذي يستطيع التأثير في الطريقة التي يفهم بها الناس الأحداث قد يحقق نتائج استراتيجية من دون اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة.وحدات متخصصة في الجيوش الكبرىأنشأت بريطانيا اللواء 77 – 77th Brigade، وهو تشكيل متخصص في أنشطة المعلومات والتواصل والتأثير والأساليب غير الحركية. 

ويصف الجيش البريطاني اللواء بأنه محرك لأساليب الحرب المعلوماتية الحديثة، يقدم قدراته للجيش ووزارة الدفاع والحكومة البريطانية بصورة أوسع. أما الولايات المتحدة، فتمتلك مجموعتي العمليات النفسية الرابعة والثامنة، فضلاً عن وحدات احتياط ومؤسسات أخرى تعمل في الاتصال الاستراتيجي وعمليات المعلومات والتأثير السيبراني.

 وتعمل هذه التشكيلات على تحليل الجماهير والبيئات الثقافية والاجتماعية، وإعداد الرسائل واختيار الوسائل المناسبة لإيصالها، وقياس أثرها في سلوك الجمهور المستهدف. وفي الصين، تطور مفهوم عمليات المجال الإدراكي Cognitive Domain Operations، الذي يدمج الحرب النفسية والتأثير المعلوماتي والقدرات الرقمية والذكاء الاصطناعي ضمن المنافسة العسكرية والاستراتيجية. 

كما ارتبط الفكر العسكري الصيني بمفهوم «الحروب الثلاث»: حرب الرأي العام، والحرب النفسية، والحرب القانونية. 

وفي روسيا، ترتبط بعض تشكيلات الاستخبارات العسكرية، ومنها الوحدة 54777، بأنشطة العمليات النفسية وشبكات التأثير والمعلومات. وقد وصفت وثائق أوروبية بعض المؤسسات التي تعمل واجهات لهذه الوحدة بأنها جزء من شبكات التضليل والتأثير الخارجي المرتبطة بالاستخبارات العسكرية الروسية. 

أما في إيران، فتوجد مؤسسات إعلامية وسيبرانية وإدراكية متعددة مرتبطة بالدولة والحرس الثوري. 

وقد وصفت وزارة الخزانة الأمريكية مركز إنتاج وتصميم المنتجات الإدراكية بأنه مؤسسة تابعة للحرس الثوري تعمل في مجال عمليات التأثير.

 ويظل هذا توصيفاً صادراً عن الحكومة الأمريكية، وينبغي التعامل معه ضمن سياق الصراع والمنافسة القائمة بين الدولتين. إسرائيل: مركز عمليات الوعي «مالات»أنشأ الجيش الإسرائيلي مركز عمليات الوعي «مالات» (MALAT)، وهو تشكيل متخصص في العمليات النفسية والتأثير الإدراكي، يعمل على التأثير في معنويات الخصم وتصوراته وسلوكه، ودعم العمليات العسكرية من خلال الرسائل الإعلامية والمنشورات والاتصالات ووسائل التأثير النفسي المختلفة.

وقد تطورت هذه القدرات لاحقاً ضمن منظومة أوسع لعمليات التأثير والمعلومات، تجمع بين الحرب النفسية والاتصال الاستراتيجي والقدرات الاستخبارية والسيبرانية. 

ولا ينبغي الخلط بين مركز «مالات» والوحدة 8200؛ فالأخيرة تختص أساساً باستخبارات الإشارة والقدرات السيبرانية، وإن كانت المعلومات التي تجمعها قد تُستخدم لدعم عمليات تأثير أوسع.


وهذه الأمثلة تؤكد أن العمليات النفسية لم تعد نشاطاً هامشياً أو مؤقتاً، بل أصبحت قدرة مؤسسية دائمة داخل منظومات الأمن والدفاع في كثير من الدول.


في العراق، أثبتت الحرب على تنظيم داعش أهمية العمليات النفسية والمعلوماتية إلى جانب العمل العسكري. 

فالتنظيم لم يكن مجرد قوة مسلحة، بل امتلك منظومة دعائية وظفت الخوف والشائعة والمقاطع المصورة والأخبار الكاذبة لإظهار نفسه أقوى من قدراته الحقيقية، وإضعاف معنويات المواطنين والقوات الأمنية.

لذلك احتاج العراق إلى معركة موازية تستعيد ثقة المواطن بالدولة، وتدحض روايات التنظيم، وتمنع انتشار الشائعات، وتدعم معنويات المقاتلين، وتحمي السكان الموجودين داخل مناطق العمليات.

وفي هذا الإطار، عملت الخلية الوطنية للعمليات النفسية بالتنسيق مع المؤسسات الأمنية والعسكرية والإعلامية على تطوير رسائل موجهة إلى المواطنين والمقاتلين وعناصر التنظيم.

 وشملت جهودها إسقاط آلاف المنشورات فوق الموصل والقائم وراوة، لتقديم الإرشادات للسكان، وتحذيرهم من مواقع التنظيم، وتشجيع عناصره على إلقاء السلاح والاستسلام.

كما امتد العمل إلى البيئة الرقمية، إذ ساهمت الفرق المختصة في تعقب وإيقاف آلاف الحسابات المرتبطة بداعش، والحد من استخدامها في التجنيد والتحريض ونشر المعلومات الكاذبة. 

ونظمت الخلية مؤتمرات دولية شاركت فيها دول ومنظمات ومراكز بحثية، إلى جانب التوجه نحو تطوير برامج أكاديمية متخصصة في العمليات النفسية.
لقد أثبتت التجربة أن التفوق العسكري لا يكفي إذا بقي الخصم قادراً على التأثير في العقول والمنصات الرقمية. 

كما أظهرت أن الفراغ المعلوماتي خطر أمني؛ فعندما تتأخر الدولة تتقدم الشائعة، وعندما تتعارض الرسائل الرسمية تتراجع ثقة المواطن.

ولهذا تحتاج الدولة إلى اتصال استراتيجي سريع ودقيق ومنسق، قادر على تقديم المعلومات المؤكدة، وتصحيح الأخطاء، ومواجهة التضليل.وفي الوقت نفسه، يجب التمييز بين الخصم والمواطن الذي ينتقد الحكومة.

 فالعمليات النفسية الوطنية ينبغي أن تحمي المجتمع من الحملات المعادية، لا أن تستخدم لتشويه المعارضين أو تقييد حرية التعبير.نحو قدرة وطنية متكاملةيحتاج العراق إلى تطوير تجربة خلية العمليات النفسية ضمن منظومة وطنية للاتصال الاستراتيجي وعمليات المعلومات، تتولى رصد الحملات المعادية، وتحليل اتجاهات الرأي العام، وتنسيق الرسائل الرسمية، والاستجابة للشائعات.

كما ينبغي إشراك الجامعات ومراكز البحوث والمتخصصين في الإعلام وعلم النفس والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، مع إخضاع هذه القدرات لضوابط قانونية وأخلاقية ورقابة مؤسسية.إن أفضل دفاع ضد التضليل ليس التضليل المقابل، بل بناء مؤسسات ذات صدقية، وتقديم المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب، ورفع الوعي الإعلامي والرقمي لدى المواطنين.

 ختاماً:إن العمليات النفسية والمعلوماتية جزءً أصيلا من علم الحرب والأمن القومي. وقد أثبتت التجربة العراقية ضد داعش أن الانتصار العسكري يحتاج إلى انتصار موازٍ في ميدان الوعي.فالدولة التي لا تمتلك روايتها الوطنية تترك الآخرين يروون قصتها، والدولة التي لا تحمي وعي مجتمعها قد تنتصر في ميدان القتال، لكنها تبقى معرضة للهزيمة في ميدان الإدراك.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن