منتصر صباح الحسناوي
برفقة أحد الأصدقاء الذي رَغِب زيارة مسجد الكوفة للمرة الأولى، كنتُ المبادر لمرافقته.
منذ اللحظة الأولى للدخول يتشكّل شعور العودة إلى مساحة أنتمي إليها، تستدعي الذاكرة صوراً مستقرة: أرضٌ كان الرمل يغطيها، دواوين قديمة، وحلقات درس وسكونٌ يحمل زمناً طويلاً.
الطراز الكوفي حاضر في المكان بوصفه أحد أهم مفاتيح هذا الشعور بالانتماء، رغم ما مرّ به المسجد من تحديثات لاحقة غيّرت بعض الملامح وأبقت الجوهر.
نحن أبناء هذه الأمكنة نعتاد المشهد، تمرّ أعيننا على الجدران، على الأقواس، على الكتابات، من دون توقّف طويل. الخط موجود ومألوف كأنه أحد عناصر البناء التي لا تستدعي السؤال.
غير أن صديقي، القادم من بعيد بعينٍ جديدة، توقّف عند الكتابات وسأل عن "الخط الكوفي" وعن سبب حضوره الكثيف في المكان.
قلت له بعفوية إنَّ هذا الخط جزءٌ من هوية المكان ورمزٌ تطوّر مع الزمن ورافق التحوّلات.
كانت إجابة صادقة لكنها حرّكت داخلي سؤالاً أعمق بعد الزيارة: كيف أصبح هذا الخط جزءاً من المشهد إلى درجةٍ نمرّ عليه من دون انتباه؟ وما الذي منحه القدرة على البقاء بصيغ مختلفة مع احتفاظه بعلاقته بالمكان الذي خرج منه؟ حتى عندما نراه اسماً في قوائم الخطوط نتجاوزه غالباً من دون تأمل.
عند الاقتراب من "الخط الكوفي" تتضح بداياته في القرن الأول الهجري بوصفها استجابة لحاجة واضحة في المراحل الأولى لتشكّل الدولة، إذ لعبت البيئة دورها أيضاً.
الكوفة مدينةٌ نشأت على تماس مباشر مع فكرة الدولة والتنظيم والإدارة التي انعكست سماتها على الخط، فحمل صفات المكان: انضباط، ثبات، ميل إلى الاستقامة.
ومع انتقاله من المصاحف الأولى إلى الجدران والعمارة، اتّسعت وظيفته وأصبح جزءاً من البناء وعنصراً يربط الكلمة بالحيّز.
ومع الزمن، مرّ الخط الكوفي بمراحل متعددة، تكيّف مع الفراغ المعماري وسمح للزخرفة أن ترافقه من دون أن تبتلع بنيته، لذا ظهرت أنماط متنوّعة، من البسيط إلى المزهر، ومن الهندسي الصارم إلى الأكثر مرونة.
هذا التنوع جاء امتداداً للأصل دون الخروج منه فاحتفظ الحرف بعلاقته بالمكان.
في المساجد، وفي كثير من فضاءات التراث الإسلامي، كما في مسجد الكوفة، يعمل الخط الكوفي بوصفه جزءاً من التجربة المكانية، العين تلتقطه قبل القراءة وتشعر بإيقاعه قبل تفكيك حروفه، فمنح الفضاء توازناً وصنع صلةً واضحة بين النص والعمارة، فبات الخط شاهداً على طريقة خاصة في فهم العلاقة بين الدين والعمران وبين الكلمة والمكان.
اللافت أن الخط الكوفي، ظلّ حاضراً باستدامة إذ انتقل من المصحف إلى العمارة ومن الجدار إلى التصميم المعاصر ومن الحجر إلى الشعارات والهويات البصرية وموجود بوصفه أحد الأعمدة المؤسسة لفن الخط العربي والفن الإسلامي عموماً.
وعلى الرغم من الاعتياد على هذا الخط الذي أبعد فضول السؤال، غير أن السؤال الذي طرحه صديقي أعاد فتح نافذة مهمّة للتذكير بأن ما نراه يومياً قد يحمل تاريخاً ودلالة ويساهم في اللاوعي بتشكيل إحساسنا بالانتماء.
في هذا السياق، إن ّالخط الكوفي هو جزء من الهوية العراقية، حاضراً مستمراً تطوّر مع الزمن وتكيّف مع التحوّلات التقنية العالمية حاملاً اسم المكان الذي نشأ فيه.
هنا يكون الاقتراب من هذا الخط قراءةً وتأملاً يعيد ترتيب علاقتنا بالجدران التي نمرّ بها وبالأمكنة التي ننتمي إليها. عندها يتضح أن الهوية قد تُقال بالكلمات وقد تُنقش في المكان، وتُرى قبل أن تُقرأ، فقط نحتاج الى أن نتأملها قليلا .