18 Oct
18Oct


تبدأ الدبلوماسية الثقافية من الداخل، من قدرة المجتمع على إنتاج ثقافة حيّة تحفظ تنوّعه وتصون ذاكرته وتبني الثقة بين أبنائه. فالصورة التي يقدّمها العراق إلى العالم تكتسب صدقيتها من نماذج وطنية يلمسها العراقيون في حياتهم، ويجدون فيها تعبيرًا عن هوياتهم ضمن وطن جامع. 

وكلما اتّسع هذا الرصيد، ازدادت قدرة الدبلوماسية على التعريف بالعراق وبناء علاقات قائمة على التفاهم والاحترام المتبادل. 

وكانت تتجلى هذه الفكرة في أمسية لملتقى بحر العلوم للحوار، استضاف فيها معالي وزيرة الثقافة والسياحة والآثار وكالةً، السيدة سروة عبد الواحد، وعددًا من المختصين من وزارتي الخارجية والثقافة، ضمن الجلسات الحوارية التي ينظّمها الملتقى بالتعاون مع معهد الخدمة الخارجية.

 وتنطلق هذه الحوارات من قناعة مشتركة بأن التفاعل بين المؤسسات الأكاديمية ومراكز التفكير والمؤسسات الدبلوماسية والتنفيذية يوفّر مساحة لتبادل الخبرات وتقريب وجهات النظر، وتحويل المعرفة إلى سياسات وممارسات تخدم الدولة والمجتمع. وتكتسب الثقافة وحوكمتها أهميتها من صلتها ببنية الدولة وقدرتها على إدارة التنوع وترسيخ المواطنة. 

وهي تعني، في جوهرها، بناء سياسات واضحة ومؤسسات فاعلة وآليات شفافة تضمن مشاركة المثقفين، وتحفظ التراث، وتدعم الإبداع، وتتيح لجميع مكونات المجتمع التعبير عن ذواتها ضمن إطار وطني جامع. ومن هنا، فإن حيوية الثقافة في الداخل تمثّل أساسًا لحضور الدبلوماسية الثقافية. 

وقد أُثيرت في الأمسية ذاتها انتقادات بشأن محدودية الإنفاق العام على الثقافة، وضعف الدعم الحكومي والبرلماني لتوفير مستلزمات العمل الثقافي. 

فالاستثمار في الثقافة يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار والوعي المجتمعي؛ إذ يتيح الكتاب والمسرح والمتاحف والمهرجانات فضاءات يتعرّف فيها المواطن إلى الآخر، وتُصان فيها الذاكرة من الإقصاء، وتشارك الأجيال الجديدة في صياغة سردية وطنية تتسع للجميع. ويحتاج ذلك إلى بنية تحتية ومؤسسات ترعى الإبداع، وتمنح النماذج الثقافية الوطنية فرصة النمو والاستمرار.

 وفي هذا السياق، يمكن استحضار تجربة الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، ونحن نعيش الذكرى السنوية لرحيله. فقد عُرف بانفتاحه على المثقفين والمبدعين، وبقدرته على مخاطبة العراقيين بلغاتهم وذاكراتهم المتعددة، والنظر إلى التنوع القومي والديني والثقافي بوصفه مصدر غنى. وكانت الثقافة لديه جسرًا للحوار وتقريب المختلفين. 

وتدفعنا هذه التجربة إلى التساؤل عن كيفية تحويل القدرة الشخصية على توظيف الثقافة في بناء الثقة إلى نهج مؤسسي مستمر، يعزّز السلم المجتمعي والانتماء، ويمنح الدبلوماسية رصيدًا وطنيا يمكن توظيفها في العلاقات الخارجية.

 أما انتقال هذا الرصيد إلى الخارج فيحتاج إلى أدوات وبرامج، ابتداء من إشراك جالياتنا في مبادرات التواصل الثقافي والفني والتعاون مع المؤسسات الثقافية العراقية ونظيراتها في الدول الأخرى،  وتتسع اطرها لاستثمار الطاقات والكفاءات العراقية في التبادل الجامعي. 

فالدبلوماسية الثقافية، وإن انطلقت من الداخل، تنمو بالحوار مع ثقافات الآخرين والانفتاح على تجاربهم.

 وهنا تتضح الصلة بين الرؤية الثقافية والسياسة العامة؛ فحماية التراث وتنمية الصناعات الإبداعية ودعم المثقف تحتاج إلى تنسيق مؤسسي يربط العمل الثقافي بالأهداف الدبلوماسية، مع احترام استقلال الإبداع. ويمكن للجامعات والمراكز البحثية والمبدعين والمجتمع المدني أن يسهموا في هذا المسار، عبر شراكة تحدّد مسؤوليات الأطراف وتتيح متابعة النتائج، وتسهم في تشخيص التحديات إلى مبادرات تجعل الرصيد الثقافي العراقي أكثر حضورًا في علاقاته بالعالم.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن