21 Jun
21Jun


 ١- مبادرة قيادة القطاع النفطي

 في شهر رمضان المبارك من عام 1424هـ (خريف 2003)، اقام وزير البترول والثروة المعدنية السعودي علي النعيمي مادبة افطار في نادي شركة ارامكو بالرياض على شرف رئيس واعضاء الوفد النفطي العراقي ، تلبية لدعوة رسمية تلقيناها لزيارة المملكة. 

  وكانت تلك الزيارة من أوائل الزيارات الرسمية العراقية إلى الرياض بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً من القطيعة التي أعقبت غزو النظام السابق للكويت في آب 1990، وما ترتب عليه من توتر حاد في العلاقات العراقية–السعودية بعد محاولة دفع النظام السابق قواته باتجاه المناطق الحدودية والحقول النفطية السعودية في المنطقة الشرقية. 

وجاءت الزيارة بعد أسابيع من تشكيل الحكومة العراقية الانتقالية المنبثقة عن مجلس الحكم في أيلول 2003. وفي تلك المرحلة بادرت وزارة النفط إلى تعزيز علاقاتها مع دول الجوار العربي والإسلامي، انطلاقاً من رؤية تقوم على استثمار موارد الطاقة في الترويج لمفهوم «أمن الطاقة الإقليمي». 

ومن هذا المنطلق، كان من أولويات وزارة النفط إعداد برنامج للتعاون في القضايا المشتركة في مجال الطاقة مع المملكة العربية السعودية، ليكون أساساً للحوار بين الجانبين في أول لقاء رسمي بينهما. 

وقد شجعتنا الأجواء الإيجابية التي رافقت عودة العراق إلى اجتماعات منظمة أوبك في أيلول 2003 على المضي بهذا الاتجاه مع دول الجوار العربي والإسلامي متطلعين إلى دمج العراق في المنظومة الاقتصادية الخليجية والعربية.

 وقد حرصت وزارة النفط على أن تكون المملكة العربية السعودية في مقدمة الدول التي نسعى إلى تطوير العلاقات معها، لمكانتها في قطاع الطاقة ، وتمثل اللاعب الأبرز داخل منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، التي تدير جانباً مهماً من سياسات الإنتاج والأسعار في السوق النفطية الدولية. 

ولا سيما بعد تراجع الدور العراقي نتيجة سياسات النظام السابق.  كما جاءت الزيارة في مرحلة كان العراق فيها يسعى إلى إعادة تأهيل قطاعه النفطي واستعادة الطاقات الإنتاجية التي تضررت بفعل الحروب والعقوبات، والبدء بالتفكير الجاد باعادة تشكيل شركة النفط الوطنية والرغبة في الاستفادة من التجربة أرامكو السعودية المتقدمة في إدارة الصناعة النفطية.

 ولابد قبل البدء باستعراض نتايج الزيارة، من المفيد القاء الضوء على الوضع السياسي بين البلدين قبل وبعد التغيير. 

٢-السعودية والعراق قبل عام ٢٠٠٣ كان للملك عبد الله بن عبد العزيز، ولي العهد آنذاك، دور مؤثر في سياسات مجلس التعاون الخليجي، كما كانت للمملكة مكانة راسخة في جامعة الدول العربية وعلاقات متميزة مع معظم الدول العربية، ولا سيما مصر والمغرب.كما تمتعت السعودية بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة وبريطانيا، الأمر الذي منحها دوراً مؤثراً في العديد من ملفات المنطقة، وخاصة بعد حرب تحرير الكويت وانتفاضة الشعب العراقي في اذار عام 1991 التي أعقبها وقف إطلاق النار بين العراق وقوات التحالف في اجتماع خيمة صفوان، الذي ترأسه الجنرال الأمريكي نورمان شوارزكوف وشارك فيه الأمير خالد بن سلطان ممثلاً للمملكة العربية السعودية. 

وكانت من اسوء مخرجات تلك الخيمة السماح للنظام الصدامي باستخدام المروحيات في عمليات قمع الانتفاضة الشعبية التي شهدتها المحافظات العراقية آنذاك، وما رافقها من خسائر بشرية وموجات نزوح واسعة نحو دول الجوار، ومنها المملكة العربية السعودية.

 وخلال تسعينيات القرن الماضي، اقتنعت قوى المعارضة العراقية بضرورة تكثيف تواصلها مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لشرح معاناة الشعب العراقي  جراء سياسات النظام السابق الذي كان قاب قوسين او دنى من السقوط لولا القرارات الدولية والاقليمية التي اطالت عمره وابقته كسيحا في ظل العقوبات الدولية، فقد وجد العراقيون أنفسهم بين مطرقة الحصار الاقتصادي وسندان قمع النظام ، الأمر الذي أدى إلى معاناة إنسانية واسعة طالت مختلف شرائح المجتمع. وفي تلك المرحلة برزت عدة مشاريع سياسية معارضة، نجح بعضها في إقامة قنوات تواصل مع المملكة العربية السعودية، كما بدأت زيارات عدد من قادة المعارضة إلى مخيمات اللاجئين العراقيين في رفحاء وغيرها.

 وكان أبرز تلك المشاريع السياسية تشكيل «المؤتمر الوطني العراقي الموحد»، الذي نجح في جمع عدد كبير من فصائل المعارضة العراقية تحت مظلة واحدة، وحظي بدعم دولي وإقليمي، ولا سيما من الولايات المتحدة. 

وقد قامت قيادات المؤتمر بسلسلة زيارات إقليمية ودولية، من بينها زيارة إلى المملكة العربية السعودية عام 1993. وحظيت تلك الزيارة باهتمام كبير من المسؤولين السعوديين، حيث استُقبل الوفد من قبل ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز، والأمير سعود الفيصل وزير الخارجية، والأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات العامة آنذاك، اللذين اضطلعا بدور مهم في إدارة الملف العراقي. ومع ذلك، بقي الموقف السعودي حذراً تجاه قوى المعارضة وبرامجها السياسية، في ظل الهواجس المتعلقة بمستقبل العراق والدور الإيراني المحتمل فيه.

 أما على الصعيد النفطي، فقد توقف ضخ النفط العراقي عبر خط الأنابيب العراقي ـ السعودي (IPSA) الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر منذ عام 1990. 

كما استحوذت السعودية، مع بعض الدول الاخرى المنتجة على حصة العراق الانتاجية بسبب العقوبات الدولية، إذ جرى تعويض الحصة التي فقدها العراق نتيجة الحظر النفطي المفروض عليه، إلى حين بدء العمل ببرنامج «النفط مقابل الغذاء» عام 1996. 

٣-السعودية والعراق بعد عام 2003

 بعد تشكيل مجلس الحكم في 13 تموز 2003، بدى واضحاً أن معظم الدول الخليجية والعربية تتعامل بحذر مع الواقع السياسي الجديد في العراق، باستثناء دولة الكويت التي بادرت إلى الانفتاح والتواصل مع المؤسسات العراقية. وقد دفع ذلك مجلس الحكم إلى تشكيل وفد برئاسة رئيس المجلس الدوري آنذاك وعدد من أعضائه للقيام بجولة خليجية كان محورها الرئيس المملكة العربية السعودية.

 إلا أن الزيارة لم تحقق جميع الأهداف التي كان الوفد العراقي يطمح إليها، إذ تعذر لقاء ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز، واكتفى الجانب السعودي باقامة حفل استقبال للوفد بحضور شخصيات رسمية من الاسرة المالكة وأخرى من المسؤولين الحكوميين، وإقامة مأدبة غداء على شرف الوفد العراقي وعلى هامش ذلك اللقاء جرت احاديث عامة حول الوضع العراقي.

 وقد عكس ذلك حجم التحفظ الذي كانت تبديه المملكة تجاه التطورات السياسية في العراق، واستمرار حالة الترقب حيال مستقبل العملية السياسية واتجاهاتها.

 ٤-السعودية وعميد منظمة اوبك

 تميّزت شخصية الوزير علي النعيمي بخلفيتها المهنية، وسلوكها الهادئ، وتأثيرها الواضح في صناعة القرار النفطي في داخل الاوبك. 

وقد تشكّل انطباعي الأول عنه في لقائنا بفيينا في أيلول/سبتمبر 2003، خلال الاجتماع المغلق لوزراء النفط في دول أوبك، إذ كان مقعدي مقابلاً لمقعده على الطاولة المستديرة التي يجلس حولها وزراء الدول الأعضاء الأحد عشر. 

كان، أولاً، مستمعاً جيداً لما يُطرح من ملاحظات وآراء من قبل الدول الأعضاء، لا ينفعل حتى وإن جاءت بعض المداخلات مخالفة للتوجهات أو السياسات السائدة. كان يترك الجميع يتحدثون حتى النهاية، ثم يدلي بدلوه، وكأن حديثه يأتي لحسم الموقف أو تقريب وجهات النظر. 

ومن خلال النقاشات التي دارت في ذلك الاجتماع، ترسخ لدي الدور السعودي داخل أوبك آنذاك. وخرجت ثانيا بانطباع مفاده أن النعيمي كان يؤدي جانباً مهماً من عمله قبل انعقاد الاجتماعات الرسمية، من خلال اللقاءات الثنائية والمشاورات الجانبية مع الوزراء. وكان يمارس دور “عميد الأسرة” . 

وبعد مشاركتي في أكثر من اجتماع، تكونت لدي قناعة بأن أوبك، وإن كان لها رئيس دوري يُنتخب سنوياً وأمين عام يتولى إدارة شؤونها، فإن هناك موقعاً آخر غير مكتوب في الأدبيات الرسمية، لكنه قائم في الواقع، هو موقع “عميد المنظمة”، وهو موقع لا يحتاج إلى انتخاب بقدر ما تفرضه الخبرة والتأثير والحضور الشخصي والدولة المالكة لمقومات التأثير. 

وكانت ثالثا مكانته داخل أوبك تتجلى بوضوح في اهتمام وسائل الإعلام به. 

ولم يكن ذلك الاهتمام الإعلامي نابعاً من موقعه الوزاري فحسب، بل من إدراك الأسواق النفطية أن الموقف السعودي غالباً ما يشكل المؤشر الأهم لاتجاهات أوبك وقراراتها المستقبلية. ولذلك كانت تصريحات النعيمي تُقرأ في كثير من الأحيان باعتبارها رسالة إلى الأسواق بقدر ما هي تعليق على نتائج الاجتماعات. وعموما كان النعيمي يمتلك ركيزتين أساسيتين مكنته لان يتفرد بقيادة القطاع النفطي السعودى لثلاث عقود ويحتكر تمثيل بلده في الاوبك لعقدين. 

الأولى ثقل بلده النفطي وثبات سياساتها بما تمثله المملكة العربية السعودية من احتياطيات وقدرات انتاجية نفطية تزيد على ١١ مليون برميل يوميا مع طاقة فائضة تقدر بحوالي ٢ مليون برميل يوميا لاستخدامها عند الحاجة بفعل سلامة التاسيس لشركتها ارامكو وحسن الادارة، ونجحت الشركة في برامحها في تعدد منافذ تصديرها وتطوير صناعتها النفطية وتطوير كوادرها، وفوق ذاك استقرار نظامها السياسي وثبات استراتيجيتها السياسية والنفطية .

  ويجب ان لا يغرب عن البال ان جزء يعتد به من تعاظم الدور السعودي داخل أوبك هو تراجع تأثير بعض القوى النفطية الفاعلة، وفي مقدمتها العراق وإيران، بسبب الحروب والعقوبات وضعف الاستثمارات. 

وقد منح ذلك السعودية، ومن خلفها النعيمي، فسحة التأثير الواضح في إدارة دفة المنظمة وصياغة التفاهمات بين أعضائها وخاصة مع الدول الخليجية في غياب تنسيق لتشكيل تحالف قوى داخل المنظمة. 

أما الركيزة الثانية فتمثلت في خبرته الطويلة والعميقة في الصناعة النفطية، فهو من تدرج من رحم ارامكو في مفاصلها المختلفة حتى وصل إلى قمة هرمها بفعل ما وفرته الشركة من فرص التدريب والتعليم والتطور حتى نجح في ان يكون رئيس ارامكو ومديرها التنفيذي من عام ١٩٨٦، كل ذلك بدون ان يقترب النعيمي من المحرمات السياسية وبقي تكنوقراطا يقدم رؤيته بالارقام والاحصائيات والقرار للقيادة السياسية. 

وهذا ما منحه الثقة لان يعاصر ثلاث ملوك: فهد وعبد الله وسلمان، وليبقى عقدين من الزمن على راس وزارة البترول والثروة المعدنية من منتصف التسعينيات، وحتى عام 2016. 

وعوداً إلى الاجتماع المغلق في فيينا، كنت أراقب عينيه من خلف نظارته وهو يتابع حديثنا عن مستقبل الصناعة النفطية العراقية. وكان يتعامل مع ما نطرحه باهتمام واضح، رغم شعورنا بأنه يمتلك معرفة واسعة بتفاصيل الواقع العراقي وتحدياته. لكنه كان يحاول أن يقرأ في وجوهنا مدى جدية النظام السياسي الجديد وقدراته في إعادة بناء القطاع النفطي وبماذا يتميز عن سابقه، ومدى واقعية الخطط التي نعرضها بشأن إعادة التأهيل وزيادة الإنتاج والتصدير والجداول الزمنية المتوقعة لتحقيق ذلك.

وكأنه يرسم في ذهنه صورة لتأثير عودة العراق التدريجية إلى السوق النفطية على مسار أوبك ومستقبلها.  ولنا حديث آخر أكثر تفصيلاً عن تجربة العراق في المنظمة، ولعل بعض هذه الملاحظات المبكرة كانت من الأسباب التي دفعتنا لاحقاً، وبعد أكثر من عقد من الزمن، إلى إعادة النظر في طبيعة علاقة العراق بالمنظمة. 

فقد تولدت لدينا منذ عام 2014 قناعة بأن الإطار المؤسسي لأوبك لم يعد قادراً بالشكل الكافي على حماية مصالح جميع أعضائه، ولا سيما العراق، وهو ما دفعنا لاحقاً إلى الدعوة لمراجعة دور العراق في الاوبك. 

واضطررنا الى رفع دعوى قضائية عام ٢٠٢٠ بعدم وجود الضرورة للالتزام بالمحددات الانتاجية اذا اضرت بمجمل الوضع الاقتصادي البلد مما يتطلب البحث عن خيارات اخرى تؤخذ بنظر الاعتبار الاوضاع الاستثنائية خاصة في ظل التحولات التي شهدتها المنظمة طوال السنوات الماضية وتراجع تماسكها وخروج بعض أعضائها منها مثل قطر والامارات العربية.

 أما في أجواء اللقاء الرمضاني في الرياض، فقد غلب عليها في بدايتها الطابع الاجتماعي بعيداً عن السياسة. 

وكان النعيمي بطبيعته لا يميل إلى الخوض في القضايا السياسية، ويفضل أن يضع نفسه في خانة التكنوقراط المهني. 

لذلك كان قليل الكلام، وإذا تحدث جاء حديثه مختصراً ومباشراً، وأحياناً يكتفي بابتسامة تحمل من المعاني أكثر مما تحمله الكلمات.

 ودار معظم حديث الإفطار حول العادات والتقاليد الرمضانية في العراق والمملكة العربية السعودية، واستُعيدت بعض الذكريات المشتركة والروابط الاجتماعية والثقافية بين الشعبين الشقيقين، بعيداً عن الملفات السياسية والنفطية التي كانت تنتظر الطرفين على جدول أعمال الاجتماع اللاحق. 

٥-العراق والسعودية: واختلاف المسار ما كان يحتاج العراق لاعادة بناء صناعته النفطية استنساخ تجارب الآخرين، فالعراق كان سبّاقاً في العديد من جوانب الصناعة النفطية، بل إن تجربته كانت متقدمة على تجارب دول المنطقة، ومنها المملكة العربية السعودية. 

غير أن التجارب لا تُقاس ببداياتها فحسب، بل بخواتيمها ونتائجها، وقد تطورت التجربة السعودية بصورة متواصلة، في حين تعرضت التجربة العراقية إلى انتكاسات متعاقبة أعاقت مسارها. لذلك لم يكن اختيار المملكة العربية السعودية محطة أساسية في جولة الوفد النفطي العراقي أمراً عابراً أو ترفاً سياسياً، بل كان انطلاقاً من إدراكنا أن المملكة نجحت في بناء نموذج متكامل لتطوير الصناعة النفطية وإدارتها على مدى عقود. 

فالعراق والسعودية كانا، إلى حد بعيد، فرسي رهان المنطقة في عصر الامتيازات النفطية الأجنبية. فقد خضع البلدان لهيمنة الشركات النفطية العالمية الكبرى؛ فكانت البداية في العراق مع شركة نفط العراق (IPC)، وفي المملكة مع شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو).

 ومع ذلك، سبق العراق السعودية بنحو عقد من الزمن في الإنتاج التجاري، وبنحو خمس سنوات في التصدير النفطي.وتمكنت شركة نفط العراق منذ منتصف الثلاثينيات من إنشاء شبكة إنتاج وتصدير عابرة للحدود تصل إلى البحر الأبيض المتوسط عبر سوريا ولبنان وفلسطين. 

وكان هذا المدخل الذي رغبت في افتتاح الحديث به خلال تلك الامسية الرمضانية. فبعد أن رحب الوزير النعيمي بالوفد العراقي، وبحضور عدد من كبار مسؤولي الوزارة وأرامكو. أكدت في حديثي أن العراق والسعودية انطلقا من جيل واحد تقريباً من الامتيازات النفطية الأجنبية، وسارا في مسار متقارب خلال المراحل الأولى من نهضتهما النفطية.

 بل إن العراق كان متقدماً في بعض الجوانب، ومنها تأسيس شركة النفط الوطنية العراقية في منتصف الستينيات، والتي لعبت دوراً مهماً في تطوير الاستكشافات النفطية وتطوير الحقول وتوسيع الإنتاج. 

غير أن مسار التطور اللاحق اختلف بين البلدين. فقد عانى العراق، منذ منتصف الثمانينيات، من تدخلات سياسية مباشرة في إدارة القطاع النفطي، ومن مركزية مفرطة في إدارة الجوانب الفنية والإدارية والمالية والتسويقية، فضلاً عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية نتيجة الحروب والعقوبات الدولية. كما خسر العراق مئات الخبراء والمهندسين والكفاءات النفطية التي هاجرت إلى الخارج، ولا سيما إلى دول الخليج. 

في المقابل، استطاعت المملكة العربية السعودية أن تبني شركة وطنية عملاقة هي أرامكو السعودية، وأن توسع طاقتها الإنتاجية بصورة متواصلة، وأن تستثمر في تطوير كوادرها الوطنية وتوطين المعرفة والتكنولوجيا. 

وكانت رسالتنا واضحة: إن مهمة النظام السياسي الجديد هي إعادة بناء القطاع النفطي على أسس مهنية سليمة، تمكنه من توفير الموارد اللازمة لإعادة إعمار العراق وتحقيق التنمية، وإن زيارتنا تهدف إلى الاستفادة من تجربة أرامكو في الارتقاء بالصناعة النفطية.  

ورعم ان العراق كان سبّاقاً في تأسيس شركة وطنية إلا أن استدامة المؤسسة واستقلاليتها كانت العامل الحاسم الذي رجح كفة التجربة السعودية في العقود اللاحقة. فنجاح المؤسسات لا يقاس بحسن المرحلة التأسيسية، بل بقدرتها على المحافظة على استقلاليتها و تراكم خبراتها والاستمرار في التطور عبر الأجيال.

 ان التشخيص السليم للتجربة العراقية وبتجرد تبقى اهتماما من قبل الاخرين . فالنعيمي نفسه كان أحد أبرز صناع التحول في الشركة خلال الثمانينيات، حيث قاد جانباً مهماً من مرحلة انتقالها إلى الإدارة الوطنية السعودية، وأسهم في مشروع “السعودة” وتوطين الكوادر الوطنية، قبل أن يصبح رئيسها التنفيذي ثم وزيراً للبترول. وفي فترة النقاش حول عوامل نجاح التجربة السعودية، وجدت نفسي أقارن بين التجربتين العراقية والسعودية في إدارة العلاقة مع الشركات الأجنبية في مرحلة التحول من الادارة الاجنبية الى الوطنية. 

ففي العراق اتجهت الدولة إلى تأميم النفط عام 1972، واستمرت تسوية الملفات القانونية والمالية مع الشركات الأجنبية حتى عام 1975، ثم اجبرت الشركات على مغادرة البلاد. وتولت شركة النفط الوطنية العراقية قيادة عمليات التاهيل والتطوير والتسويق لأقل من عقد من الزمن، قبل أن تُحل وتُدمج بوزارة النفط، لتصبح الوزارة مسؤولة عن الإدارة التنفيذية إلى جانب مهامها الرقابية والتنظيمية. أما السعودية فقد انتهجت مساراً مختلفاً، تمثل في الاستحواذ التدريجي على أرامكو بين عامي 1973 و1980، إلى أن انتقلت ملكيتها بالكامل إلى الدولة السعودية، مع المحافظة على استمرارية الإدارة والخبرات الفنية والعلاقات الدولية للشركة. 

ثم أُعيد تنظيم الشركة عام 1988 تحت اسم “أرامكو السعودية” بصيغتها كشركة وطنية تمتلك جميع الأصول وتدير مختلف أنشطة الصناعة النفطية. لدلكً كثيراً ما تُعد التجربة السعودية واحدة من التجارب الناجحة في انتقال ملكية صناعة النفط، لأنها نجحت في تحقيق معادلة صعبة جمعت بين استمرارية الإنتاج، ونقل المعرفة والخبرة، والحفاظ على العلاقات مع الشركات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادت الشركة لاحقاً. 

٦-معايير نجاح أرامكو من خلال الحوارات التي دارت مع الوزير علي النعيمي وكبار مسؤولي الوزارة و أرامكو، ومن خلال متابعة التجربة السعودية على مدى سنوات، أمكن تشخيص عدد من المعايير الأساسية التي أسهمت في نجاح الشركة وتحولها إلى واحدة من كبريات شركات الطاقة في المنطقة، وتميزت بالانور التالية: أولاً: الاستقلالية المؤسسية والتنفيذية تجلت بوضوح العلاقة المؤسسية بين وزارة البترول والثروة المعدنية وأرامكو. 

فالوزارة تتفرغ لرسم السياسات العامة والإشراف الاستراتيجي وتمثيل الدولة في المحافل الدولية، بينما تتولى أرامكو إدارة النشاط النفطي بكامل حلقاته الفنية والتجارية والاستثمارية.

 وقد وفر هذا الفصل بين صانع السياسة ومنفذها درجة عالية من الكفاءة والمرونة والاستقرار المؤسسي، وأسهم في حماية القرارات الفنية والاستثمارية من التدخلات الإدارية والسياسية غير المهنية.

 كما أتاح للشركة العمل وفق معايير مهنية واضحة تستند إلى الحوكمة الرشيدة والمساءلة والتخطيط طويل الأمد. وفي المقابل، لم تكن مشكلة القطاع النفطي العراقي في نقص الموارد أو الكفاءات، بل في تراجع الاستقلالية المؤسسية وتزايد التدخلات السياسية والإدارية في القرارات الفنية والاقتصادية والتجارية، الأمر الذي حدّ من قدرة المؤسسة النفطية على العمل وفق المعايير المهنية التي تتطلبها صناعة النفط المعقدة. ثانياً: الاستقلالية الإدارية والقدرة المالية تمتعت أرامكو باستقلالية إدارية واسعة مكنتها من اتخاذ قراراتها التشغيلية والاستثمارية بعيداً عن البيروقراطية الحكومية، مع اعتماد معايير رصينة في اختيار القيادات والترقيات الوظيفية على أساس الكفاءة والخبرة والتدرج المهني.

 كما تمتعت الشركة بقدرة مالية مستقلة نسبياً، إذ لم تكن مشاريعها مرتبطة مباشرة بالموازنة الحكومية السنوية، بل كانت تضع خططها الاستثمارية وتمول مشاريعها وفق احتياجات الصناعة النفطية ومتطلبات السوق. 

وقد وفر ذلك انسيابية عالية في تنفيذ المشاريع وتطوير الحقول وإنشاء البنى التحتية، ومنح الإدارة القدرة على اتخاذ قراراتها الاستثمارية بمنظور استراتيجي طويل الأمد بعيداً عن الضغوط الآنية.

 وهذه في الواقع إحدى المزايا التي تمتعت بها شركة النفط الوطنية العراقية الى حد ما خلال السبعينيات، قبل إضعاف دورها ثم دمجها بوزارة النفط في الثمانينيات، حيث انتقلت الكثير من القرارات الاستثمارية والفنية من المؤسسة النفطية المتخصصة إلى الجهاز الحكومي المركزي. 

ثالثاً: الاستثمار في بناء الكوادر لعل أكثر ما يميز تجربة أرامكو اهتمامها الاستثنائي ببناء كوادرها البشرية. فقد اعتمدت سياسة طويلة الأمد لإعداد الكفاءات الوطنية عبر منظومة متكاملة تبدأ بالتعليم والتدريب وتنتهي بإعداد القيادات العليا. وشملت هذه المنظومة برامج ابتعاث واسعة إلى الجامعات العالمية، وبرامج تدريب متقدمة في مراكز التدريب والتطوير داخل الحقول والمصافي ومراكز التشغيل، إضافة إلى اعتماد التدرج الوظيفي القائم على الكفاءة والخبرة، وإعداد قيادات بديلة لضمان استمرارية المؤسسة . كما أولت أرامكو أهمية التأهيل والتدريب وربطت بين الترقية الوظيفية والتأهيل المستمر، بما ضمن تحديث المهارات الفنية والإدارية بصورة دائمة، وأوجد ثقافة مؤسسية تقوم على التعلم والتطوير المستمرين.

 واوجدت هذه السياسة بناء قاعدة واسعة من الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة واحدة من الشركات العاملة وفق المعايير الدولية. 

أما العراق، فلم يكن يفتقر إلى الكفاءات النفطية، بل امتلك منذ خمسينيات القرن الماضي نخبة متميزة من المهندسين والجيولوجيين والفنيين الذين أسهموا في بناء الصناعة النفطية العراقية اضافة الى برامج ابتعاث وزارة النفط الى الجامعات الاجنبية الرصينة، غير أن الحروب والعقوبات والظروف السياسية أدت إلى هجرة أعداد كبيرة من هذه الكفاءات، وأضعفت منظومة إعداد الأجيال الجديدة والتراكم المؤسسي الذي تحتاجه صناعة معقدة كالصناعة النفطية. 

ومن هنا يمكن القول إن نجاح نموذج أرامكو جاء نتيجة الالتزام بمجموعة من المبادئ المؤسساتية، في مقدمتها الاستقلالية التنفيذية، والاستقرار الإداري، والقدرة المالية، والاستثمار المستدام في بناء الكوادر. 

وهي مبادئ لم تكن غريبة عن تجربة شركة النفط الوطنية العراقية في سبعينيات القرن الماضي، التي استطاعت خلال فترة قصيرة تحقيق إنجازات مهمة في زيادة الاحتياطيات النفطية، وتصعيد الإنتاج، وتطوير الحقول، وبناء الكوادر الوطنية. غير أن الظروف التي مر بها العراق لاحقاً حالت دون استدامة ذلك.  

كنا نعتقد باهمية اغلبية المعايير التي اعتمدتها السعودية في تطوير مسار ارامكو الوطنية، وهذه المعايير تبدو مشتركة لاغلب الشركات النفط الوطنية الناجحة. 

كان التحدي الذي يواجهنا هو كيفية التوصل الى اطار قانوني يتضمن جل هذه المعايير. وبالفعل نجحنا ولاول مرة عام ٢٠١٨ بعد اكثر من عقد ونصف من الزمن من مناقشات مستفيضة مع الكوادر النفطية واستعراض التجارب النفطية الاخرى، اضافة الى الحوارات السياسية مع الكتل النيابية ان يتم تشريع قانون شركة النفط الوطنية رقم ٤ لعام ٢٠١٨ بشبه إجماع سياسي على فقراته، وليكون اول تشريع نفطي تنجح السلطة التشريعية في تمريره في القطاع النفطي وينشر في جريدة الوقائع الرسمية بعد التغيير في اذار عام ٢٠١٨، ويتضمن هذا القانون معظم المعايير التي اعتمدتها الشركات النفطية الوطنية الناجحة مع مراعاة للخصوصية العراقية. 

٧- إشكالية أنبوب التصدير النفط العراقي بعد انتهاء النقاشات بين الوفدين حول تجربة أرامكو والعوامل التي أسهمت في تحقيق قصة نجاحها، طلبت من الوزير علي النعيمي عقد لقاء خاص على هامش الاجتماع. 

وبالفعل اجتمعنا لمدة تقارب عشرين دقيقة في قاعة مجاورة، وكان الهدف الرئيس من اللقاء مناقشة موضوع أنبوب التصدير العراقي عبر الأراضي السعودية.

 استعرضت بإيجاز التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي كان العراق يواجهها آنذاك، مؤكداً أن مجلس الحكم والحكومة مطالبان بتوفير الظروف الكفيلة بتجاوز تلك التحديات. 

وفي ظل الأوضاع السائدة لم يكن أمام العراق سوى الإسراع في إعادة تأهيل الحقول النفطية وزيادة الإنتاج من أجل رفع الصادرات النفطية وتأمين الإيرادات اللازمة لإدارة شؤون الدولة وإعادة الإعمار.

 وأوضحنا أننا بدأنا منذ خريف عام 2003 برفع الطاقات التصديرية تدريجياً عبر ميناء البصرة النفطي، الذي كان يُعرف سابقاً بميناء البكر، قبل أن يُتخذ قرار بعد تشكيل الحكومة في ايلول ٢٠٠٣ بتغيير اسمه ليحمل اسم محافظة البصرة، تقديراً لدورها بوصفها المحافظة المنتجة لأكثر من 70% من النفط العراقي، ولأنها كانت المنفذ التصديري الرئيس للعراق في تلك المرحلة. في المقابل، كانت الجماعات الإرهابية تسعى إلى شلّ عجلة الحياة الاقتصادية عبر استهداف قطاع النفط إنتاجاً وتصديراً. 

وقد نفذت سلسلة من التفجيرات المتكررة استهدفت خطوط نقل النفط الخام والمشتقات النفطية، ما أدى إلى تعطيل الصادرات عبر المنظومة الشمالية باتجاه ميناء جيهان التركي. وكانت تلك العمليات مستمرة بهدف إعاقة إنتاج النفط وتصديره من الحنوب، الأمر الذي جعل البحث عن منافذ تصديرية بديلة ضرورة وطنية ملحّة. لهذا أوضحت للوزير النعيمي أن أحد الأهداف الأساسية لزيارتنا هو طلب المساعدة في تفعيل خط الأنابيب العراقي ـ السعودي، ليكون منفذاً إضافياً لتصدير النفط العراقي عبر البحر الأحمر.

 وأشرت إلى أن القيادة السياسية العراقية تقدر اهتمام المملكة بالشأن العراقي ووقوفها إلى جانب الشعب العراقي في هذه الظروف الاستثنائية. 

كما أكدت أن الحكومة العراقية جادة في إعادة بناء علاقاتها مع دول الجوار، ولا سيما الدول العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي في المنطقة. 

وبيّنت أن تفعيل هذا الخط لن يسهم فقط في معالجة الاختناقات التي يواجهها العراق في مجال التصدير، بل سيشكل أيضاً خطوة مهمة في مسار تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين. 

كان الوزير النعيمي يصغي باهتمام بالغ خلال هذا اللقاء، وقد بدا مدركاً لحجم المخاطر التي تواجه العراق نتيجة اعتماده شبه الكامل على موانئ الجنوب. وبعد أن استمع إلى شرح استمر أكثر من خمسة عشر دقيقة، أجاب بهدوئه المعهود، شاكراً تلبية الدعوة ومقدراً الجهود المبذولة لإعادة بناء القطاع النفطي العراقي. ثم لخّص موقفه في ثلاث نقاط واضحة:

 أولاً: إن موضوع تفعيل خط الأنبوب العراقي ـ السعودي هو موضوع سياسي بالدرجة الأساس.

 ثانياً: لذلك ينبغي أن تتم مناقشته على مستويات سياسية عليا بين قيادتي البلدين، ومن الممكن أن تتوصل تلك المستويات إلى تفاهمات أو قناعات مشتركة بشأنه. 

ثالثاً: إذا طلبت القيادة السياسية السعودية الرأي الفني من الجهات المختصة، فإننا سنقدم رؤيتنا الفنية بهذا الشأن. كانت إجابته واضحة ومتسقة مع شخصيته المهنية التي تميل إلى تجنب الخوض في القضايا السياسية المعقدة، والالتزام بالجانب الفني من المسؤولية. كما لمست في حديثه قدراً كبيراً من الصراحة والواقعية. 

وقد أشرت له أثناء اللقاء إلى استعدادنا لعرض الموضوع على القيادات السياسية السعودية اذا كان ذلك ممكنا، فكان واضحاً أن قرار تفعيل الخط أو عدمه هو قرار سيادي يعود إلى القيادة السياسية في المملكة ويفضل ان يتم تناوله من قبل القيادات السياسية في البلدين. شكرت الوزير النعيمي على صراحته، ونقلت مضمون حديثه إلى عدد من القيادات العراقية. وفي آذار/مارس 2004، جرى ترتيب زيارة لرئيس مجلس الحكم الدوري وعدد من أعضاء المجلس إلى المملكة العربية السعودية ضمن جولة إقليمية. 

وكانت تلك مناسبة لإعداد رسالة رسمية من قبلنا موجهة إلى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز وولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز، تتضمن طلباً عراقياً بإعادة تفعيل خط الأنابيب، وقد حملها رئيس الوفد العراقي إلى القيادة السعودية آملاً في الحصول على استجابة إيجابية نظراً لحاجة العراق الماسة إلى هذا المنفذ التصديري. غير أن جواباً رسمياً لم يصل في ذلك الوقت.

 ثم وقع ما كنا نخشاه في نيسان/أبريل 2004 عندما تعرض ميناء البصرة النفطي لهجوم نفذته زوارق إرهابية استهدفت البنية التحتية للتصدير، ما أدى إلى توقف الصادرات النفطية لمدة يومين قبل إعادة إصلاح الأضرار واستئناف العمليات. 

وقد عزز ذلك الحادث قلق القيادة النفطية العراقية وأكد الحاجة الملحة إلى إيجاد منافذ بديلة لصادرات النفط من حقول الجنوب. وفي تموز/يوليو 2004، تلقى وزير النفط الأستاذ ثامر الغضبان في الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة الدكتور إياد علاوي، رسالة رسمية من الوزير علي النعيمي تناول فيها الطلب العراقي المقدم من قبلنا في ربيع عام ٢٠٠٤ والخاص بتفعيل الانبوب النفطي.

 وأشار النعيمي في رسالته ( نص الرسالة مرفق) بما مضمونه إلى أن الأنبوب المذكور قد جرى تحويله واستخدامه لأغراض داخلية سعودية، وأصبح جزءاً من منظومة نقل الغاز داخل المملكة، الأمر الذي يحول دون إعادته إلى الوضع السابق.

 وكان مضمون هذا الرد الرسمي يعني عملياً أن انبوب النفط العراقي لم يعد متاحا للاستخدام وفق الغرض الذي أنشئ من أجله. ومع ذلك، بقيت هناك تساؤلات قانونية حول الوضع النهائي لأصول المشروع. 

ويرى اغلب القيادات العراقية التي كانت مشرفة على تنفيذ المشروع في اعوام ١٩٨٧-١٩٨٩ ان المشروع تم تنفيذه باموال عراقية، واشار البعض ان العراق اودع في الامم المتحدة نسخة من الاتفاق بين البلدين بهذا الشان. 

ويتصور البعض ان تكاليف المشروع يمكن قد أُدرج ضمن ترتيبات تسوية المطالبات والتعويضات المترتبة على العراق بعد حرب الخليج ، وهي مسألة ظلت بحاجة الى التوثيق والإيضاح.

 وبغض النظر عن مآلات المشروع، نحاول تسليط الضوء بشكل مبسط حول مساره الانبوب ومواصفاته،  مسار الانبوب ومواصفاته عندما تعرضت الناقلات في الحرب العراقية الايرانية في الخليج ومضيق هرمز لمخاطر كبيرة، خاصة خلال ما عرف بـ”حرب الناقلات”. 

وأصبح العراق بحاجة إلى منافذ تصدير بديلة تضمن استمرار تدفق صادراته النفطية وتمويل المجهود الحربي. لذلك اتجه إلى تطوير منافذ بديلة منها خط التصدير عبر السعودية إلى البحر الاحمر. وكانت طاقته التصميمية تقارب ١.٦ مليون برميل يوميا وبطول حوالي ١٥٠٠ كم وقطر ٤٨ انج و٥٦ انج واستغرق استكماله اكثر من عامين. 

وتم تنفيذه على مرحلتين: الاولى من الزبير الى الخريص داخل السعودية والمرحلة الثانية من الخريص الى ميناء المعجز قرب ميناء يتبع على البحر الاحمر. والحق يقال، احدث تحولا  استراتيجياً في منظومة التصدير العراقية، لأنه وفر للعراق لأول مرة منفذاً مباشراً على البحر الأحمر.   

9- دروس من أزمة التصدير ما أشبه الليلة بالبارحة. ففي خريف عام 2003، كان يساورنا قلق بالغ من اعتماد العراق شبه الكامل على منفذ تصديري واحد عبر الخليج، وكنا نرى أن أي اضطراب أمني أو عسكري في المنطقة قد يعرّض الاقتصاد العراقي لمخاطر جسيمة.

 وبعد أكثر من عقدين من الزمن، ما زال هذا القلق قائماً، بل إن الأحداث أثبتت وجاهة تلك المخاوف. ففي عام 2026، ومع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما رافقها من إغلاق لمضيق هرمز، توقفت معظم الصادرات النفطية العراقية، الأمر الذي أدخل البلاد في أزمة مالية حادة نتيجة اعتماد الموازنة العامة بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية. وقد كشفت هذه الأزمة مرة أخرى حجم الهشاشة التي تترتب على الاعتماد على منفذ تصديري واحد مهما بلغت طاقته الانتاجية.

 والمفارقة أن المملكة العربية السعودية واجهت التحدي نفسه، إذ تعطلت صادراتها عبر الخليج نتيجة الظروف العسكرية الراهنة، لكنها استطاعت المحافظة على جزء مهم من صادراتها النفطية عبر منفذها الاستراتيجي الآخر على البحر الأحمر، مما مكّنها من الاستمرار في التصدير والاستفادة من الارتفاع الكبير في الأسعار، والتخفيف من الآثار الاقتصادية الناجمة عن تعطل المسار الخليجي.

 لقد أثبتت هذه التجربة أن أمن الطاقة لا يتحقق بزيادة الإنتاج وحدها، وإنما ببناء منظومة متكاملة لأمن الصادرات تقوم على تعدد المنافذ والمسارات، وتوزيع المخاطر الجيوسياسية، وتوفير البدائل القادرة على العمل في أوقات الأزمات.

 كما تؤكد أن الاستثمار في خطوط الأنابيب والمسارات البديلة هو قرار سيادي واستراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن الوطني والاستقرار المالي والاقتصادي للدولة. ولعل من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة. 

أن الدول المنتجة للنفط لا تُقاس قوتها بحجم احتياطياتها وإنتاجها فقط، بل بقدرتها على إيصال نفوطها إلى الأسواق العالمية في مختلف الظروف. فالإنتاج النفطي او الغازي بدون قدرة تصديرية آمنة ومتنوعة يبقى ثروة معطلة، أما تنويع منافذ التصدير فهو الضمان الحقيقي لاستدامة الإيرادات وحماية الاقتصاد الوطني من الصدمات الإقليمية والدولية.

 ١٠-هل آن أوان إعادة إحياء خط الأنابيب العراقي ـ السعودي منذ عام 2003 كنا نؤمن بأن الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة يحتاج إلى مشاريع تكاملية كبرى تؤسس لمصالح مشتركة بين دولها، وفي مقدمة تلك المشاريع ما يرتبط بأمن الطاقة الإقليمي وممرات تصدير النفط والغاز. 

فالمصالح الاقتصادية المتبادلة كثيراً ما تكون أكثر قدرة على حماية الاستقرار من التوافقات السياسية لوحدها. وما زلنا نستحضر في هذا السياق مشروع «دولفين» لنقل الغاز الطبيعي من قطر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان، الذي استمر في العمل رغم ما شهدته المنطقة من توترات وخلافات سياسية بين بعض أطرافه. 

وقد أثبت المشروع أن المصالح الاستراتيجية المشتركة قادرة على الصمود أمام الأزمات السياسية العابرة عندما تكون مبنية على أسس اقتصادية راسخة ومنافع متبادلة. ومن هذا المنطلق، وفي ظل الظروف الراهنة وما تواجهه المنطقة من تحديات استراتيجية غير مسبوقة، فإن من المناسب إعادة النظر في موضوع خط الأنابيب العراقي ـ السعودي بروح جديدة تستند إلى المصالح المشتركة والرؤية المستقبلية للبلدين.

 فمثل هذا المشروع لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مجرد وسيلة إضافية لتصدير النفط العراقي، بل باعتباره جسراً للتعاون الاقتصادي والتكامل الاستراتيجي بين بلدين محوريين في المنطقة، وعنواناً لشراكة يمكن أن تسهم في تعزيز أمن الطاقة العربي وترسيخ الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.

 د. إبراهيم بحر العلوم

 11 حزيران ٢٠٢٦

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن