في يوم الجمعة 7 آب 2026، وفي مقر الديوان الملكي السعودي بقصر الصفا في مكة المكرمة وقعت كل من السعودية وتركيا وباكستان على اتفاقية مكة للدفاع المشترك، واقد اكد زعماء الدول الثلاث على ان "أيّ هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع".
تتجلى خطورة هذا التحالف بعد تراجع النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان والعراق ثم التضييق على الحوثيين تمهيدا للقضاء عليهم، لكن في نفس الوقت نتلمس جوانب ضعف بنيوية داخل هذا التحالف الذي فرضته عوامل سياسية واستراتيجية وامنية.
فهل نحن امام تحالف عسكري يمهد لنظام إقليمي جديد بقيادة تركيا والسعودية وباكستان، ام ان هذه الاتفاقية مجرد حالة انفعالية لاتختلف عن التحالفات والاتفاقات التي قادتها المملكة العربية السعودية خلال العقد الأخير من عاصفة الحزم وصولا الى التحالف الدفاعي البحري الذي اعلن في 30 تموز 2026م.
فاذا اردنا تفكيك هذا التحالف من الناحية الجيوسياسية نجد ان الدول الثلاث تشكل محورا إسلاميا سنيا وفي نفس الوقت تتمتع بعلاقات وتحالفات مع الولايات المتحدة الامريكية، ولكن من ناحية الاختلافات سنصل الى الحقائق الأتية:
أولا: اختلاف مصادر التهديد بالنسبة لكل دولة من الدول الثلاثة فالتهديد بالنسبة للسعودية مصدره ايران وحلفائها في البحر الأحمر وهاجسها الأمني هو امن الطاقة وامن الخليج، اما تركيا فالتهديد بالنسبة لها مصدره داخلي اكثر منه خارجي وهاجسها الأمني هو قيادة العالم الإسلامي و تحويل المجال البحري المحيط بها الى منطقة نفوذ تركية (الوطن الأزرق)، اما باكستان فان مصدر التهديد بالنسبة لها مصدره الهند وهاجسها الأمني هو انتزاع كشمير من الهند وتامين حدودها مع أفغانستان.
ثانيا: اختلاف الموقف من ايران فباكستان تمتلك اكثر من دافع للتعاون مع ايران اضافة الى عمق العلاقات والتداخل الهوياتي بين البلدين، وتركيا تعتبر ايران منافسا استراتيجيا لكنها لايمكن ان تتقاطع مع طهران، بخلاف السعودية التي تعتبر ايران تهديدا لها.
ثالثا: اختلاف الموقف من (إسرائيل) فالمملكة العربية السعودية مستعدة للتطبيع المشروط وتركيا رغم امتلاكها علاقات قديمة مع الكيان لكنها تعيش حالة احتقان وتوتر مع تل ابيب له اكثر من سبب، اما باكستان فملف التعاون الاسترتيجي الهندي الإسرائيلي كفيل بخلق حالة من النفور الباكستاني من الكيان.
رابعا: هناك روابط هوياتية تجمع باكستان مع تركيا وهي ثلاثية (المذهب الحنفي والعقيدة الماتريدية والمسار الصوفي) بخلاف المملكة العربية السعودية التي تعتنق (المذهب الحنبلي والعقيدة السلفية الوهابية).
خامسا: اختلاف بنية الاقتصاد الباكستاني الذي يعتمد على الموارد البشرية والسوق عن التركي الذي يعتمد على الصناعة والتكنولوجيا عن السعودي الذي يعتمد على الطاقة وراس المال.
سادسا: التشتت الجيوسياسي بفقدان الاستراتيجية الواحدة التي تستوعب العبور من المساحة الجغرافية الواحدة الى المساحات المختلفة الممتدة من الخليج العربي والبحر الأحمر الى بحر العرب والمحيط الهندي حيث باكستان وصولا الى الاناضول والبحرين الأسود والمتوسط حيث تركيا.
سابعا: من الصعب على باكستان تغيير عقيدتها النووية فالعقيدة النووية الباكستانية مصممة لمواجهة الخطر الهندي ضمن استراتيجية صارمة، ولا يمكن تعديلها أو توسيع نطاقها الجغرافي بسهولة، وعليه، فإن أقصى ما يمكن أن يقدمه الطرف الباكستاني في هذا التحالف هو التنسيق الاستشاري، تبادل الخبرات، والتغطية بالأسلحة التقليدية والصناعات الدفاعية، دون المساس بالجوهر الصلب لعقيدتها النووية التي تظل رهينة المعادلة الهندية-الباكستانية فقط.
وبالنتيجة فان هذا التحالف ستكون له جملة من النتائج:
أولا: الإقرار بنهاية النظام الإقليمي العربي وانتهاء صلاحية جامعة الدول العربية وانتهاء صلاحية معاهدة الدفاع العربي المشترك، وزعامة مصر للمنطقة العربية.
ثانيا: الإعتراف بعجز وشلل مجلس التعاون الخليجي.
ثالثا: إثبات صحة فرضية التحالف مع دول إسلامية من خارج المنظومة العربية وادخالها ضمن النظام الإقليمي العربي لمعادلة التمدد الصهيوني.
رابعا: عزل الامارات العربية المتحدة ودفعها الى تعزيز شراكتها مع الهند والكيان الإسرائيلي.
خامسا: تهميش العراق واقصاء ايران عن النظام الإقليمي الذي يمكن ان يتشكل من باقي دول المنطقة (المحور السني) بقيادة الثلاثي السعودي التركي الباكستاني.
وبالنتيجة لايختلف هذا التحالف عن التحالفات المرحلية السابقة، ففي سقوفه العليا يمكن ان يكون نواة لنظام إقليمي جديد، لكنه سيصتدم بمحاور منافسة أخرى، وفي سقوفه الطبيعية يبقى في حدود استفادة السعودية من التكنولوجيا العسكرية التركية المتطورة، ومن مظلة الردع الاستراتيجي الباكستاني، مقابل ان تمول السعودية التصدير التصنيعي لتركيا ودعم الاقتصاد الباكستاني المتعطش لتدفق المال والطاقة من السعودية.