يقف العراق اليوم في قلب مشهدٍ إقليميّ مضطرب تتقاطع فيه الجغرافية مع السياسة ويتحوّل فيه الموقع إلى قدرٍ لا يمكن تجاوزه.فمنذ أن بدأ العدوان الصهيو-أمريكي على إيران لم يبقَ الصراع محصوراً في حدوده، إذ امتدّ بأثره إلى الداخل العراقي إذ تتزاحم الضغوط ويسقط شهداء وتتعقّد المعادلات.
العراق، بحكم موقعه لا يملك ترف الحياد الكامل ولا قدرة الانخراط الكامل، هو مرتبط بالولايات المتحدة بمنظومات أمنية واقتصادية، وبإيران بروابط جغرافية واجتماعية وعقائدية ومصالح استراتيجية.
هذا التشابك يضعه أمام معادلة دقيقة” أي انزياح حاد نحو أحد الطرفين قد يكلّفه استقراراً داخلياً أو اقتصاداً هشّاً “.
في هذا السياق يظهر الاعتدال خياراً عقلانياً أقرب إلى ضرورة وطنية منه إلى موقف سياسي.غير أن هذا الخيار لا يتحرك في بيئة مريحة فالمجتمع العراقي يحمل بفطرته مفاهيم الكرامة والنصرة التي تدفع باتجاه مواقف أكثر حدّة، بينما يحاول عقل الدولة أن يوازن بين الكلفة والنتائج.
وهنا يتشكل التوتر الحقيقي بين منطق الدولة وما تحتويه من تنوع ومنطق المجتمع بتنوعه ايضاً.
وفي هذا المشهد، يبرز دور المرجعيات الدينية والوطنية بوصفها عاملاً مؤثراً في توجيه المزاج العام وضبط إيقاعه.فموقف السيد علي السيستاني جاء واضحاً في إدانة الحرب بوصفها “حرباً ظالمة”، محذّراً من تبعاتها الخطيرة، مع دعوة صريحة إلى إيقافها واللجوء إلى حل سلمي عادل وفق القانون الدولي، في إطار يركّز على حماية الشعوب وتجنّب اتساع رقعة الصراع.
وفي موازاة ذلك، يبرز موقف السيد مقتدى الصدر الذي عبّر عن رفضه للعدوان، مع التأكيد على ضرورة عدم زجّ العراق في الحرب والدعوة إلى ضبط الإيقاع الداخلي وحصر القرار بيد الدولة، بما يعكس محاولة للموازنة بين الموقف المبدئي وضمان استقرار الداخل.
على الرغم من ذلك يمكن رصد نجاح غير معلن للحكومة العراقية في احتواء جزء كبير من الضغوط، إذ لا يزال العراق حتى هذه اللحظة وعلى الرغم من كثير من الاحداث “المؤلمة” فيه خارج الانخراط المباشر في جبهات القتال.
هذا النجاح يعد نسبي، تحقق عبر مزيج من التوازن السياسي والانضباط الأمني بقدر الممكن والسعي إلى تقليل مساحة التصعيد المجتمعي داخل الحدود العراقية، على الرغم من كل التعقيدات والتداخلات.وفي موازاة هذا المسار برزت محاولات الحكومة العراقية لفتح قنوات تهدئة مع الدول الاقليمية والمساهمة في محاولات تخفيف التوتر والدفع باتجاه وقف إطلاق النار بوصفه المخرج الأكثر واقعية لجميع الأطراف.هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن استمرار الصراع لن ينتج منتصراً واضحاً بقدر ما سيضاعف الخسائر على الجميع.
لكن هذه الجهود تصطدم بواقع داخلي معقّد فالحشد الشعبي بوصفه جزءاً من المنظومة الأمنية، يضع الدولة أمام معادلة حساسة بين كونه مؤسسة رسمية وبين الضربات الخارجية لمقاره والتي اسقطت اعداد من الشهداء، مع وجود مقاومة تنفذ من بعض الفصائل والتي طالت مواقع داخل العراق دبلوماسية وعسكرية وأمنية ومدنية وسقوط اعداد من الشهداء العراقيين ايضاً، زادت من حرج الدولة وأظهرت حجم التحدي في ضبط الإيقاع داخل ساحة مفتوحة على احتمالات متعددة.
اقتصادياً تبدو الهشاشة أكثر وضوحاً، اعتماد العراق شبه الكامل على النفط يجعله عرضة لأي اضطراب إقليمي، خصوصاً في ممرات التصدير.ومع كل اهتزاز تتسع الضغوط المالية، وتزداد المخاوف من انعكاسات مباشرة على معيشة المواطنين واستقرار الدولة.
سياسياً، ما تزال حكومة تصريف الأعمال تعمل ضمن صلاحيات المتاحة لها في وقت تحتاج فيه البلاد إلى قرار قوي ومتماسك، هذا التناقض بين حجم التحدي وحدود الصلاحية يضاعف من صعوبة إدارة الأزمة ويضعف موقف الدولة ويجعل هامش المناورة أضيق.
وفي الخلفية تتحرك جبهة أخرى لا تقل خطورة: جبهة الوعي العام، إذ تتصاعد الخطابات المتطرفة وانتشار المعلومات المضللة ونشاط الجيوش الإلكترونية متخذة من المواقف ساحة للتنافس السياسي، كلها عوامل تدفع نحو مزيد من الاستقطاب وتضعف القدرة على تبنّي خطاب وطني متوازن في لحظة حرجة.
وسط كل ذلك، يبقى الثمن إنسانياً قبل أي شيء آخر، إن استمرار سقوط الشهداء يذكّر بأن أي اختلال في التوازن لا يُدفع سياسياً فقط، بل يُدفع من دم الناس ومن استقرار بيوتهم ومن مستقبل أبنائهم.
القراءة المستقبليةالمسار الأقرب هو استمرار حالة الاحتواء الهش إذ ينجح العراق في البقاء خارج الانخراط المباشر مع استمرار الضغوط والتوترات بإنتظار انتهاء الصراع .
أما المسار الأخطر، فيكمن في الانزلاق التدريجي نحو التصعيد بما يحوّل العراق إلى ساحة أكثر انكشافاً للصراع.
ويبقى المسار الأهم “وإن كان الأصعب” هو تعزيز دور الدولة وترسيخ قدرتها على ضبط القرار السيادي مع الاستمرار في لعب دور الوسيط والدافع نحو التهدئة.
العراق اليوم يمشي على حافة دقيقة،بين ضغط الخارج وتوتر الداخل،بين العاطفة والعقل،وبين الخطر والنجاة.
نجح حتى الآن في تجنّب الأسوأ ويحاول أن يدفع نحو السلام،
لكن التحدي الأكبر ما يزال قائماً:أن يبقى وطناً لأهله وأن تُصان دماؤه، وأن تُكتب فيه مواقفه بالحكمة… لا بالخسارة