13 Jan
13Jan


- نصير العلي
وسط تزايد الاحتجاجات الشعبية والانتقادات الحادة من قبل الاقتصاديين تجاه قرارات الحكومة بفرض تعرفة جمركية جديدة ورفعها على سلع عدة، يطفو على السطح سؤال جوهري: هل توقيت هذه الإجراءات مناسبًا في ظل اقتصاد هشّ يعاني ضعفًا في الإنتاج المحلي وتراجعًا في القدرة الشرائية للفرد؟


الحكومة تُبرر هذه الإجراءات بضرورة تعظيم الإيرادات وتنظيم السوق، لكن الواقع الاقتصادي العراقي يشير إلى اعتماد شبه كامل على الاستيراد، وهو ما يُبرز تناقضًا بين الأهداف والسياسات المتبناة.


وفق بيانات رسمية، بلغت قيمة واردات العراق للسلع والخدمات نحو 17.9 مليار دولار فقط في الربع الثالث من 2025، مقابل صادرات تصل إلى نحو 23.4 مليار دولار (في معظمها من النفط)، مع تسجيل فائض تجاري حوالي 5.7 مليار دولار، لكن الغالبية الساحقة من الصادرات هي منتجات نفطية لا تُسهم في تنمية القطاعات الإنتاجية الأخرى. 


هذا التوزان التجاري الإيجابي الظاهري يخفي واقعًا أكثر تعقيدًا: العراق يستورد سنويًا بمليارات الدولارات، في ظرف أربع سنوات تجاوزت نحو 400 مليار دولار بين 2020 و2024، ما يعكس ضعفًا بنيويًا في القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية التي يمكن أن توفر السلع محليًا. 


النتيجة؟ الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل كبير على السلع المستوردة من دول مثل الإمارات، الصين، تركيا، الهند، وإيران، وتشكل السلع الاستهلاكية، المصنعة، وقطع الغيار جزءًا كبيرًا من هذه الواردات. 

لماذا التعرفة الجمركية مؤلمة الآن؟

في ظل تباطؤ نسبي في النمو الاقتصادي وضعف الإنتاج المحلي، فإن فرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع المستوردة — خاصة تلك الاستهلاكية — يؤدي إلى:


نزول الأسعار الحقيقية للأفراد أكثر، بسبب زيادة كلفة السلع الأساسية؛

 ضغط على القدرة الشرائية للمواطن الذي يعاني من انخفاض الدخل الحقيقي مقابل ارتفاع التضخم؛

عدم قدرة الصناعات المحلية على اللحاق بالسوق بسرعة، لإحلال البدائل محليًا، بسبب ضعف البنية الاستثمارية وضعف شبكات التمويل والتشجيع.

هذا ما أكده خبراء اقتصاديون بأن التعرفة، في ظل الظروف الحالية، تتحول من أداة لحماية إلى ضريبة استهلاك مباشرة يدفع ثمنها المواطن. يرى هؤلاء أن التوقيت غير مناسب لأن السوق المحلي ليس جاهزًا لاستيعاب ارتفاعات أسعار السلع الأساسية، ولا يوجد بديل قوى من الإنتاج المحلي يغطي الفجوة.

الاستهلاك غير المبرر: مشكلة ثقافية قبل أن تكون اقتصادية

من منظور اقتصادي واجتماعي، يدخل المستهلك العراقي في دوامة الاستهلاك غير المبرر. الكثيرون يرتبطون بالسلع الأجنبية حتى لو كانت أعلى سعرًا أو أدنى جودة من المنتجات المحلية، وهذا يعكس ثقافة استهلاكية ترهق الاقتصاد الوطني وتستهلك العملة الصعبة بلا قيمة مضافة محلية.


في الوقت الذي يحتاج فيه السوق إلى منظفات ومستحضرات وكماليات تقليدية، يتم إغراقه بالسلع المستوردة بدلًا من استثمار جزء كبير من تلك الأموال في بناء معامل إنتاج محلية قادرة على توفير هذه السلع باليد العاملة العراقية والخبرة المحلية — وهي مهارات لا تتطلب تقنيات معقدة أو استثمارات ضخمة مقارنة بالعائدات الطويلة الأمد.

ما المطلوب فعلاً؟

إصلاح السياسة الجمركية لا يكون عبر رفع الرسوم بصورة عشوائية، بل عبر:


🔹 سياسة جمركية مرنة ومُدرجة، تميّز بين السلع الأساسية والكمالية؛


🔹 ربط أي تغيير في الرسوم بخطط زمنية واضحة لدعم الإنتاج المحلي؛

🔹 وضع شبكات حماية اجتماعية للفئات الأكثر هشاشة بحيث لا تتحمل أعباء ارتفاع الأسعار؛

🔹 الاستفادة من موارد الدولة النفطية في تطوير قطاعات إنتاجية: صناعات خفيفة، زراعة، ومنتجات استهلاكية بسيطة؛

🔹 إعادة توجيه العملة الصعبة نحو الاستثمار بدلًا من الاستهلاك.

خلاصة
فرض ضرائب في وقت اقتصادي حساس قد يكون ضروريًا في بعض الحالات لتحقيق توازن في الميزان التجاري ووقف نزيف العملة الصعبة، لكن يجب أن يصاحب ذلك رؤية إصلاحية واضحة قابلة للتنفيذ. وإلا فإننا سنشهد ارتفاعًا جديدًا في الأسعار وضعفًا أكبر في الإنتاج المحلي، مما يُعمّق هجينة الاقتصاد العراقي الذي لا يزال يعتمد على النفط والاستيراد.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن