منتصر صباح الحسناوي
تعيش منطقة الشرق الأوسط اليوم واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً في التاريخ الحديث ، في مشهد يشبه إعصاراً سياسياً تتسع دوائره سريعاً. فالحرب التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الإسر١ئيلي على إيران بنطاق جغرافي يرتبط مع العراق بشكلِ مباشر فضلاً عن العلاقات المتشابكة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعقائدياً، الأمر الذي يجعل انعكاساتها على الواقع العراقي أمراً شبه حتمي.
ومع اتساع دائرة الردود لتطال مواقع أو مصالح في عدد من دول المنطقة، من بينها السعودية والإمارات وقطر والبحرين وسلطنة عُمان والأردن وحتى قبرص، وهو ما كشف أن المواجهة تجاوزت حدودها الأولى ودخلت مرحلة تتعدد فيها ساحات التوتر وتتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية.
أما تداعيات التصعيد إلى الساحة اللبنانية فهو تهديد وجودي بعد دخول قوات الكيان الإسرائيلي إلى مناطق في الجنوب اللبناني وما رافق ذلك من تهجير واسع شمل أكثر من مئة وعشرين قرية.
في ظل هذه التحولات تعيش المنطقة مرحلة إعادة ترتيب للتحالفات وموازين القوة، وهو ما يجعل المشهد الإقليمي شديد الحساسية بالنسبة لدولة مثل العراق التي لا تزال تمر بمرحلة تعافٍ من أزمات طويلة.
وسط هذه العاصفة يحاول العراق تثبيت معادلة توازن دقيقة تقوم على تجنب الانخراط في الصراعات الإقليمية مع الحفاظ على قدرة المبادرة السياسية التي تسمح بحماية مصالحه واستقراره. وقد أسهمت مواقف المرجعية الدينية العليا المتمثلة بسماحة السيد علي السيستاني في ترسيخ هذا التوجه، إذ أكدت بياناتها ضرورة تجنيب العراق مخاطر الانخراط في الصراعات الإقليمية والدعوة إلى اعتماد الحلول السياسية والدبلوماسية والاحتكام إلى القوانين الدولية وضبط النفس في التعامل مع التطورات.
وفي موازاة ذلك استطاعت الحكومة العراقية بقيادة السيد السوداني عدم الانجرار في الصراع في مراحل ليست ببعيدة من ذات الامر، الا ان إدارة هذه المرحلة الحساسة تتطلب جهداً اكبر وقد تمثل عبر تحرك دبلوماسي نشط للتواصل مع عدد من الدول الفاعلة إقليمياً ودولياً بهدف خفض التوتر، إلى جانب متابعة التحديات الأمنية للحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع انتقال تداعيات الصراع إلى الداخل العراقي.
وفي خضم هذه التحديات يبرز عامل داخلي لا يقل أهمية، يتمثل في ضرورة الإسراع بتشكيل حكومة قوية قادرة على التعامل مع تعقيدات المرحلة. فالمشهد الإقليمي المتقلب يتطلب مؤسسات تنفيذية متماسكة تمتلك القدرة على اتخاذ القرار والتحرك السريع، لأن التأخر في تشكيل الحكومات في مثل هذه اللحظات الحساسة قد يضعف قدرة الدولة على الاستجابة للتحديات السياسية والأمنية التي تحيط بها.غير أن هذه المهمة تواجه ضغوطاً متعددة، بعضها مرتبط بتعقيدات البيئة الإقليمية، وبعضها الآخر نابع من التنافس السياسي الداخلي وما يرافقه أحياناً من خطاب حاد في الشارع أو في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تظهر بين الحين والآخر دعوات تتبنى لغة الإلغاء أو التخوين تجاه مؤسسات الدولة، وهي خطابات لا تسهم في تعزيز الاستقرار بقدر ما تزيد من حالة الاستقطاب.
وفي مثل هذه الظروف يبرز دور الإعلام بوصفه عاملاً مؤثراً في تشكيل الوعي العام. فالإعلام لا يقتصر دوره على نقل الأحداث، بل يسهم في صياغة المناخ النفسي والاجتماعي الذي يتفاعل معه المجتمع.
لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى خطاب إعلامي مسؤول يحرص على دقة المعلومة وتوازن التحليل ويبتعد عن تضخيم الأحداث أو إثارة الكراهية.
إن العراق الذي خبر الحروب والصراعات أكثر من غيره يدرك كلفة الانجرار إلى مواجهات مفتوحة. ولذلك يبقى الحفاظ على التوازن السياسي وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة وإدارة اللحظة بعقلانية عوامل أساسية لعبور هذه المرحلة الصعبة.
غير أن الحكمة في إدارة اللحظة قد تحول هذه التحديات إلى فرصة للحفاظ على الاستقرار وبناء مسار أكثر ثباتاً للمستقبل، وهذا الامر مسؤولية الجميع .