15 Sep
15Sep


منتصر صباح الحسناوي


قد يحتجز مضيقٌ موازنةَ بلد كامل، هذه هي كلفة الجغرافية عندما تكثر الثروة وتضيق طرق الوصول إليها. ولعل العراق من أكثر البلدان معرفة بهذه الكلفة: نفطٌ تحت الأرض، وقلقٌ فوقها، وملايين الناس تتأثر حياتهم بما يحدث عند ممرّ يقع خارج حدودهم. 

يكفي أن تضطرب الملاحة في هرمز حتى يمتد أثرها إلى موارد الدولة وأسواقها وتتعلق حسابات الحياة بأمن العبور.تكشف الحرب وامتداداتها في الخليج والبحر الأحمر عن منطقة تُختبر قوتها عند منافذ حياتها، إذ تزداد قيمة من يستطيع تأمين المرور وتتضاعف خطورة من يستطيع تعطيله. 

ومن هنا تنشأ أمام العراق فرصة بحجم مأزقه: أن تتحول أرضه إلى طريق تحتاج الدول إلى استقراره وتجد في شراكته مصلحة تستحق الحماية.

لكن حاجة الآخرين إلى الطريق قد تغريهم بالسيطرة عليه أيضاً.

 فالممرات تحمل الاستثمارات والتجارة وتستقطب التنافس على التمويل والتشغيل والقرار، وتحدد قدرة الدولة على إدارتها مقدار ما تكسبه منها وما تدفعه من أثمان.


اعتدنا ان نطيل النظر إلى العراق من نافذتي "واشنطن وطهران"، حتى ضاقت رؤيتنا لبلد تتصل به تركيا والخليج وسوريا، ويمتد عبرها نحو أوروبا والمتوسط. لكل طرف حساباته ومسؤولية العراق أن يحول تعدد الروابط إلى تعدد في الخيارات وأن يرى أمنه ممتداً إلى منابع مياهه وأسواق نفطه وطرق تجارته؛ فحماية الحدود تكتمل بحماية أسباب الحياة داخلها.


وفي الخريطة التي تعيد الحرب تشكيلها، قد تتمسك إيران بنفوذها العراقي وتسعى إسرائيل إلى تقليصه، وتتطلع تركيا إلى اتصال أوسع بالجنوب ويبحث الخليج عن منافذ إضافية فيما يبقى الامتداد السوري نحو المتوسط رهناً بالأمن والتعافي في سوريا نفسها. وبين هذه الاتجاهات تتشكل مصالح واتفاقات قد يستمر أثرها طويلاً بعد انحسار القتال.


قد تتجاوزنا الطرق ونحن نتحدث عن أهمية موقعنا.
فالدول التي تبحث عن منفذ آمن ستستثمر حيث تستطيع العمل، ومن هنا تأتي أهمية مشروع أنبوب النفط العراقي عبر سوريا إلى بانياس، بما يوسع الخيارات التصديرية ويفتح فرص النقل والخزن والتصنيع في غرب العراق، ويجعل تعافي الجوار مصلحة اقتصادية وأمنية مباشرة.

وتحتاج هذه المشروعات إلى سنوات واستثمارات وترتيبات مستقرة، فيما تفرض الأزمة الحالية حماية المنشآت وتحسين استخدام المنافذ المتاحة وتأمين استمرار التجارة والصادرات. فبناء البدائل المقبلة يسير بالتوازي مع إدارة الاختناق الراهن، وفق أولويات تميز بين الممكن اليوم وما يحتاج إلى وقت.


ويحمل طريق التنمية وميناء الفاو فرصة لربط مصالح عراقية وتركية وخليجية،  ومع بقاء وصول السفن إلى الفاو من خارج الخليج مرتبطاً بهرمز، يمنح الطريق العراق امتداداً برياً نحو تركيا وأوروبا. 

وتكبر قيمته بما ينشأ حوله من إنتاج وخدمات واستثمارات وفرص عمل، وبمقدار ما يبقى من عوائده داخل الاقتصاد العراقي.

وتحتاج الشراكة مع تركيا إلى رؤية تفاوضية تجمع النقل والطاقة والمياه؛ فالطريق الذي يحمل بضائعنا يعبر بلداً تأتي منه أسباب حياة حقولنا أيضاً. 

وتمنح هذه الصلات المتعددة فرصة لتفاهمات أوسع، متى امتلك العراق أولويات واضحة وقدرة على التفاوض والمتابعة.


غير أن مرور الثروة بأرضنا لا يضمن نصيبنا منها. فالطريق يحتاج إلى إنتاج محلي وموانئ فاعلة وتشريعات واضحة، وإدارة تحمي الاستثمار وتمنع الفساد. كما يحتاج المستثمر إلى معرفة من "يملك القرار" ومن يضمن سلامة المشروع واستمرار العقود عندما تتغير الحكومات. 

وهنا تصبح وحدة السلطة والقوة، وانتظام العلاقة بين بغداد وأربيل، واستقرار السياسة الخارجية، شروطاً اقتصادية مباشرة.


قد تُفقد مسيّرة واحدة طريقاً سنواتٍ من الثقة.
ويقوم التوازن العراقي الممكن على تعدد حاجة الآخرين إليه، وتعدد خياراته معهم. ولعل الخطر أن ننوّع المنافذ ونُبقي مفاتيحها بيد واحدة أو نعدد الشركاء ونثقل القرار بالتزامات متعارضة. لذلك تتحدد قوة الشراكات بقدرة الدولة على تنظيمها وحماية حصتها والاحتفاظ بقرارها عندما تختلف المصالح، وتساندها روابط ثقافية واجتماعية تبني الثقة وتمنح العلاقات عمقاً يحتمل الخلاف.


لقد ورث العراقيون موقعاً مهماً، ودفعوا كثيراً من ثمنه. أما التحدي اليوم فهو بناء الدولة القادرة على استثماره، بأمن ومؤسسات وبنية تحتية ورؤية تجعل للآخرين مصلحة في استقرار العراق، وتحفظ للعراقيين حق إدارة هذه المصلحة.


عندها يستطيع العراق أن يصبح ملتقى طرق يصنع له عملاً وأمناً وبلداً تتنافس الدول على شراكته.
فالجغرافية التي لا نديرها، يدير الآخرون صراعاتهم فوقها.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن