13 Jan
13Jan


 يُعدّ العنف الأسري من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تتخفّى خلف جدران المنازل، وتمارس في الخفاء بعيدًا عن أعين المجتمع والقانون، ليبقى ضحاياها أسرى الصمت والخوف. 

فهو عنف لا يُعلن عنه في الغالب، ولا تُرفع بشأنه الشكاوى إلا في أضيق الحدود، مما يجعله جريمة صامتة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وتكمن خطورته في أنه لا يهدد فردًا بعينه، بل يضرب أساس المجتمع من جذوره، لأن الأسرة هي اللبنة الأولى في بنائه، وإذا فسدت هذه اللبنة اهتز البناء بأكمله. 

ولا يقتصر مفهوم العنف الأسري على الضرب أو الإيذاء البدني الظاهر، بل يتخذ أشكالًا متعددة ومتداخلة، تبدأ من الإهانة والتحقير والسخرية، ولا تنتهي عند التهديد والحرمان والإهمال. 

فالعنف النفسي، على وجه الخصوص، يُعد من أكثر الأنواع انتشارًا، وأشدها أثرًا، لأنه يدمّر الإنسان من الداخل ببطء، ويزرع فيه الشعور بالدونية والعجز وفقدان القيمة.

 وغالبًا ما تعاني الضحية لسنوات طويلة من آثار هذا العنف دون أن يلتفت إليها أحد. وتتعرض النساء والأطفال وكبار السن بصورة أكبر لهذا النوع من العنف، نظرًا لضعف قدرتهم على المواجهة أو الدفاع عن حقوقهم. 

فالطفل الذي يعيش في بيئة يسودها الصراخ والضرب والتهديد، ينشأ وهو يحمل الخوف في قلبه، ويختزن مشاهد القسوة في ذاكرته، لتؤثر لاحقًا في سلوكه وشخصيته وتعامله مع الآخرين. 

أما المرأة المعنَّفة، فتفقد تدريجيًا شعورها بالأمان والاستقرار، وقد تعيش حالة من الانكسار النفسي تجعلها غير قادرة على اتخاذ قرار المواجهة أو طلب المساعدة. وتتعدد الأسباب التي تؤدي إلى انتشار العنف الأسري، فمنها ما يرتبط بسوء التنشئة الاجتماعية التي تكرّس ثقافة العنف والسيطرة، ومنها ما يعود إلى الضغوط الاقتصادية والبطالة وتردّي الأوضاع المعيشية، التي تدفع بعض الأفراد إلى تفريغ غضبهم داخل الأسرة. 

كما يسهم ضعف الوعي الديني والأخلاقي، وسوء فهم بعض المفاهيم التربوية والاجتماعية، في تبرير العنف واعتباره حقًا أو وسيلة للتربية، في حين أن هذه المبررات لا أساس لها من الصحة. 

ويُعد الصمت المجتمعي أحد أخطر العوامل التي تسهم في استمرار العنف الأسري وتفاقمه. فخوف الضحايا من الفضيحة، أو من فقدان الاستقرار الأسري، أو من الانتقام، يدفعهم إلى السكوت وتحمل الألم، ظنًا منهم أن الصبر سيُنهي المشكلة. غير أن هذا الصمت لا يؤدي إلا إلى تعميق الجرح، ويمنح المعتدي شعورًا بالإفلات من العقاب، مما يشجعه على الاستمرار في سلوكه العدواني. 

ولا تتوقف آثار العنف الأسري عند حدود الأسرة، بل تمتد لتطال المجتمع بأسره. فالعنف يولّد العنف، والأفراد الذين ينشأون في بيئة أسرية مضطربة غالبًا ما يعانون من صعوبات في التكيف الاجتماعي، وقد يلجؤون إلى السلوك العدواني أو الانحراف كوسيلة للتعبير عن غضبهم المكبوت. 

وهكذا يسهم العنف الأسري في زيادة معدلات الجريمة، وتفكك النسيج الاجتماعي، وإضعاف القيم الإنسانية التي يقوم عليها المجتمع. وعلى الصعيد النفسي، يخلّف العنف الأسري آثارًا عميقة وطويلة الأمد، مثل الاكتئاب، والقلق، واضطرابات النوم، وفقدان الثقة بالنفس، والشعور الدائم بالخوف وعدم الأمان.

 وقد تؤدي هذه الاضطرابات في بعض الحالات إلى الانعزال الاجتماعي أو الفشل الدراسي والمهني، مما يحرم المجتمع من طاقات بشرية كان يمكن أن تسهم في بنائه وتقدمه. وقد أكدت الأديان السماوية والقيم الإنسانية السامية على رفض العنف داخل الأسرة، والدعوة إلى الرحمة والتسامح وحسن المعاملة. 

فالإسلام، على سبيل المثال، جعل الأسرة قائمة على السكينة والمودة والرحمة، وحرّم الظلم والإيذاء بكافة أشكاله، ودعا إلى الحوار والإصلاح بدل القسوة والعنف. 

ومن هذا المنطلق، فإن مواجهة العنف الأسري تُعد واجبًا دينيًا وأخلاقيًا ومجتمعيًا.

 إن التصدي لهذه الجريمة الصامتة يتطلب تضافر الجهود على مختلف المستويات، بدءًا من تعزيز الوعي الأسري بأهمية الحوار واحترام الآخر، مرورًا بدور المؤسسات التعليمية والإعلامية في نشر ثقافة نبذ العنف، وصولًا إلى سنّ القوانين الرادعة التي تحمي الضحايا وتكفل لهم حق الأمان والكرامة.

 كما أن توفير مراكز للإرشاد الأسري والدعم النفسي يُعد خطوة ضرورية لمساعدة الأسر على تجاوز الأزمات قبل تفاقمها. ، يبقى العنف الأسري خطرًا حقيقيًا يهدد استقرار المجتمع وأمنه النفسي والاجتماعي، ولا يمكن القضاء عليه إلا بكسر حاجز الصمت، والاعتراف بحجمه الحقيقي، والعمل الجاد على معالجته. 

فالمجتمع الذي ينشد الاستقرار والتنمية لا بد أن يبدأ بحماية أسرته، لأن الأسرة السليمة هي الأساس المتين لمجتمع آمن " اما اذا  تكلمنا عن  ما شاع في الآونة الأخيرة بين أبناء المجتمع العراقي ما يعرف بالعنف الأسري بعد انتشارة بأشكاله ومستوياته المختلفة في الكثير من الأسر العراقية عرف العنف الأسري بأنه كل اعتداء جسدي أو جنسي أو نفسي أو فكري أو اقتصادي يرتكب، أو يهدد بارتكابه، من قبل أي فرد من أفراد الأسرة ضد الآخر.

 وقد حدد القانون المدني العراقي في المادة 39 أطراف الأسرة بالأب والأم والأولاد والجد والجدة فقط. لذا فإن أي شكل من أشكال التصرفات المسيئة (كالضرب، الركل، العض، الصفع, الرمي بالأشياء, الاعتداء الجنسي، السيطرة, الاستبداد, التخويف، الملاحقة والمطاردة, الاعتداء السلبي الخفي كالإهمال، أو الحرمان الاقتصادي الصادرة من قبل أحد أو كلا الشريكين في العلاقة الزوجية أو الاسرية عد عنفاً أسرياً مباشراً. 

وهناك ما يسمى بالعنف الأسرى غير المباشر في العلاقة الزوجية أو الاسرية عد عنفاً أسرياً مباشراً. وهناك ما يسمى بالعنف الأسري غير المباشر عمدت الكثير من الدول الى تجريمه بقوانينها منها تجريم تعرض الأطفال إلى العنف غير المباشر أي عندما يقوم الأب بضرب الأم بوجود الأطفال، فيصبح الجرم مضاعفاً (حتى حتى وإن لم يكن الأطفال جزء منه لأنه يصيبهم بالضرر. 

كما أصدرت الأمم المتحدة عام (1993) وثيقة أكدت فيها على الدول الأعضاء، اعتبار العنف الأسري جريمة وطالبت بسن قوانين لتجريمة.

 تكمن خطورة العنف الأسري في ما يترتب على ذلك العنف من ردود أفعال مختلفة لدى الضحايا، أو أضرار الصحة البدنية مثل كسور العظام، إصابات الرأس، تمزقات، ونزيف داخلي مما يتطلب عناية طبية ونفسية، فضلاً عن الوقوع في براثن الفقر والتشرد وغيرها من الاثار في حال افتقار الضحية الكامل للموارد المالية. 

كما قد يواجه الأطفال الذين نشأوا في أسر ينتشر فيها العنف طائفة من الاضطرابات السلوكية والعاطفية يمكن أن تؤدي بهم إلى اقل ذلك العنف أو الوقوع ضحية له في مرحلة لاحقة من حياته. 

تشير بعض الدراسات إلى أن تفاعل العوامل الظرفية والفردية في الغالب كان السبب الأساس في السلوك العنيف، وأن الأفراد يتعلمون السلوك العنيف عن طريق أسرهم والأشخاص في المجتمع والتأثيرات البيئية المختلفة، إذ إن السلوك العنيف لبعض القائمين به کان نتيجة لتعرضهم للإساءة خلال طفولتهم أو إنهم يرونه طريقة مناسبة لحل الخلافات والمشاكل بين الناس. 

وأن تناول الكحول والمخدرات يساهم أحياناً في تنامي السلوك العنيف, كما ان التمييز بين الرجل والمرأة يعد من أكثر الأسباب شيوعاً للعنف الأسري. وهناك عوامل أخرى ساهمت بالعنف الأسري، منها: المشاكل المالية والاجتماعية المعتقدات الخاطئة لدى الرجال باستخدام العنف للسيطرة على أسرهم, أو انهم يمتلكون الحق بالتصرف بأي طريقة في منازلهم. 

للحد من العنف الأسري وتجنب آثاره لابد من المعالجات  توعية أفراد المجتمع حول مدى انتشار العنف الأسري وأسبابه والآثار المترتبة عنه. 

 بيان السبل الكفيلة لتحكم. الفرد في تصرفاته العنيفة . وكيفية تجنب المواقف الصعبة بالأسلوب العلمي. تعريف النساء بحقوقهن وكيفية حماية أنفسهن اذا تعرضن  لأي شكل من اشكال العنف


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن