د. سيف الدين زمان الدراجي
باحث في شؤون السياسة الخارجية والأمن الدولي.عضو الأكاديمية الملكية البريطانية لدراسات الدفاع (RCDS).
في عالم يتسم بتسارع التهديدات الأمنية وتعقيد بيئات صنع القرار، لم يعد الاعتماد على الخبرة التقليدية أو الافتراضات السائدة كافياً لضمان نجاح السياسات أو حماية المؤسسات.
فالتحديات الحديثة، سواء كانت أمنية أو سياسية أو اقتصادية أو سيبرانية، تتطلب أدوات قادرة على اختبار الأفكار والخطط قبل تطبيقها على أرض الواقع.
ومن أبرز هذه الأدوات مفهوم الفريق الأحمر (Red Team) الذي أصبح جزءاً أساسياً من منهجيات العمل في المؤسسات العسكرية والاستخبارية ومراكز التفكير الاستراتيجي حول العالم.يقوم مفهوم الفريق الأحمر على إنشاء مجموعة مستقلة من الخبراء تتولى تمثيل الخصم أو المنافس أو الجهة المعادية، بهدف اختبار قدرة المؤسسة على مواجهة التهديدات المحتملة وكشف نقاط الضعف التي قد لا تكون ظاهرة لصناع القرار.
وتكمن قوة هذا النهج في أنه يتبنى عقلية الخصم، فينظر إلى الخطط والسياسات من زاوية مختلفة، ويسعى إلى اكتشاف الثغرات قبل أن يستغلها الخصوم الحقيقيون.
في المجال الأمني والاستخباري، يؤدي الفريق الأحمر دوراً محورياً في تقييم الجاهزية المؤسسية. فهو يختبر فعالية الإجراءات الأمنية، ويقيس سرعة استجابة الفرق الدفاعية، ويكشف نقاط الضعف في الأنظمة التقنية والبنى التنظيمية.
كما يساعد في تطوير تقديرات أكثر دقة للتهديدات من خلال محاكاة أساليب العمل التي قد تتبعها الجماعات الإرهابية أو الشبكات الإجرامية أو الجهات الاستخبارية المعادية.
أما في مجال وضع السياسات والاستراتيجيات، فإن أهمية الفريق الأحمر تتجاوز الجانب الأمني لتصل إلى جوهر عملية صناعة القرار.
فكثيراً ما تقع المؤسسات في فخ ما يعرف بـ"التفكير الجماعي" (Groupthink)، حيث يميل المشاركون إلى تأييد الرأي السائد وتجنب طرح الأسئلة الصعبة أو الاعتراضات الجوهرية.
وهنا يأتي دور الفريق الأحمر في تحدي الافتراضات القائمة وطرح السيناريوهات البديلة واختبار مدى صمود الخطط أمام الظروف غير المتوقعة.
غير أن التحدي الأكبر أمام نجاح مفهوم الفريق الأحمر لا يتعلق بالجانب الفني أو التنظيمي بقدر ما يتعلق بالثقافة المؤسسية نفسها.
ففي العديد من مؤسسات الأمن القومي وصنع القرار، يميل العاملون والقادة إلى بناء قناعات راسخة حول طبيعة التهديدات وأفضل السبل للتعامل معها استناداً إلى خبراتهم السابقة أو نجاحاتهم المتراكمة.
ومع مرور الوقت قد تتحول هذه القناعات إلى تحيزات ذهنية وافتراضات غير معلنة تؤثر في عملية التحليل واتخاذ القرار.
وعندما يأتي فريق مستقل ليختبر تلك الافتراضات أو ينتقد الخطط والسياسات القائمة أو يشير إلى احتمالات الفشل والثغرات المحتملة، فقد يُنظر إليه أحياناً بوصفه جهة معرقلة أو ناقدة أكثر من كونه أداة لتحسين الأداء.
وفي بعض الحالات قد تُرفض مخرجات الفريق الأحمر ليس بسبب ضعفها المهني، بل لأنها تتعارض مع قناعات راسخة أو توجهات مؤسسية سائدة. وهنا تكمن إحدى أهم المعضلات التي تواجه تطبيق هذا المفهوم؛ فالمشكلة ليست في وجود الثغرات، بل في عدم الرغبة أحياناً في الاعتراف بإمكانية وجودها.
وتؤكد التجارب الدولية أن الفرق الحمراء الأكثر نجاحاً هي تلك التي تحظى بدعم مباشر من أعلى مستويات القيادة السياسية أو الأمنية.
فوجود إرادة مؤسسية واضحة يمنح الفريق الأحمر الاستقلالية اللازمة ويضمن التعامل مع ملاحظاته بوصفها مدخلاً لتحسين الأداء وليس تشكيكاً في كفاءة القائمين على العمل.
كما أن نجاح هذه الفرق يتطلب ترسيخ ثقافة مهنية تعتبر النقد المنظم واختبار الفرضيات جزءاً طبيعياً من عملية صنع القرار، وليس تهديداً لها.ولهذا فإن اعتماد الفريق الأحمر داخل مؤسسات الأمن القومي ينبغي أن يكون قراراً استراتيجياً تتبناه القيادة العليا للدولة والمؤسسات الحكومية.
فكلما ارتفع مستوى الدعم السياسي والإداري لهذا النهج، ازدادت قدرة الفرق الحمراء على أداء دورها الحقيقي في كشف المخاطر وتحدي الافتراضات وتقديم رؤى بديلة تساعد على اتخاذ قرارات أكثر دقة وواقعية.
وتستخدم الحكومات والمؤسسات الكبرى الفرق الحمراء لتقييم السياسات العامة، وتحليل آثار القرارات الاستراتيجية، واختبار خطط الطوارئ وإدارة الأزمات.
فبدلاً من انتظار وقوع الأزمة لاكتشاف نقاط الضعف، يتم بناء سيناريوهات افتراضية تحاكي أسوأ الاحتمالات، مما يسمح بإجراء التعديلات اللازمة قبل فوات الأوان.
ومن أبرز الفوائد التي يوفرها هذا النهج تعزيز القدرة على الاستشراف الاستراتيجي.
فالفريق الأحمر لا يكتفي بتحليل الواقع الحالي، بل يحاول استكشاف كيف يمكن أن يتصرف الخصوم في المستقبل، وما هي الأدوات أو الأساليب الجديدة التي قد يلجؤون إليها.
وهذا النوع من التفكير يساعد المؤسسات على الانتقال من حالة رد الفعل إلى حالة الاستباق والوقاية.ويُقابل الفريق الأحمر عادةً ما يُعرف بـ"الفريق الأزرق" (Blue Team)، الذي يمثل الجهة المدافعة عن الأنظمة والسياسات.
ففي حين يسعى الفريق الأحمر إلى كشف الثغرات واختبار نقاط الضعف، يعمل الفريق الأزرق على حماية المنظومة والاستجابة للتحديات.
ويؤدي التفاعل المستمر بين الفريقين إلى رفع مستوى الجاهزية وتحسين الأداء المؤسسي بصورة مستمرة.
وقد تبنت العديد من المؤسسات العسكرية والاستخبارية الرائدة حول العالم هذا المفهوم.
ففي بعض الجيوش يتم إنشاء فرق حمراء مستقلة لمراجعة الخطط العملياتية قبل تنفيذها، بينما تستخدمها أجهزة الاستخبارات لاختبار الفرضيات التحليلية ومنع التحيزات المعرفية.
كما باتت الشركات الكبرى والمؤسسات المالية تعتمد هذا النهج لتقييم المخاطر واختبار استمرارية الأعمال ومواجهة الهجمات السيبرانية المعقدة.وفي السياق العراقي، يمكن أن يشكل مفهوم الفريق الأحمر أداة مهمة لدعم الأمن القومي وتعزيز جودة السياسات العامة.
فمع تعدد التحديات الأمنية والاقتصادية والإقليمية، تبرز الحاجة إلى وجود فرق مستقلة قادرة على مراجعة الخطط الوطنية والاستراتيجيات الأمنية والسيناريوهات المستقبلية من منظور نقدي وموضوعي.
ويمكن أن يمتد دور هذه الفرق إلى مراجعة استراتيجيات الأمن الوطني، وإصلاح القطاع الأمني، ومكافحة الإرهاب، وإدارة الأزمات والكوارث، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني، والسياسات الاقتصادية والتنموية ذات البعد الاستراتيجي.
إن القيمة الحقيقية للفريق الأحمر لا تكمن في انتقاد الخطط أو التشكيك بالقرارات، بل في توفير بيئة مؤسسية تسمح بالتفكير النقدي المنظم واختبار الفرضيات بصورة علمية.
فالمؤسسات الأكثر نجاحاً ليست تلك التي لا ترتكب الأخطاء، بل تلك التي تكتشف أخطاءها قبل أن يكتشفها خصومها.وفي عالم تتزايد فيه حالة عدم اليقين، يصبح وجود فريق أحمر محترف ومستقل أحد أهم أدوات بناء المرونة الاستراتيجية وتعزيز القدرة على اتخاذ قرارات أكثر دقة وفاعلية.
فالدول التي تمتلك الشجاعة المؤسسية للاستماع إلى الآراء المخالفة واختبار فرضياتها بصورة مستمرة ستكون أكثر قدرة على حماية مصالحها الوطنية والتكيف مع المتغيرات وصناعة مستقبلها بثقة وواقعية.