منتصر صباح الحسناوي
عند ظهور اسم رئيسٍ أو مديرٍ قبل اسم المؤسسة، تُقال الجملة: قرر رئيسُ..، قرر وزيرُ..، قرر مديرُ.. فتبدو الدولة وكأنها شخصٌ، ويغيب السياق الذي يُفترض أن يولد فيه القرار. هنا يبدأ الخلل، لا في القرار ذاته، وإنّما في الطريقة التي نفكّر بها بالقرار ونقدّمه وننسبه إعلامياً أو اجتماعيا.
في نطاق الدولة، لا يُولد القرار من فراغ، ولا ينبتُ في رأس فردٍ مهما بلغت خبرته.
القرار مسارٌ طويل، يبدأ من تشخيص المشكلة ويمرُّ عبر البيانات والتحليل ويتكئ على الخبرة التخصصية، ثمّ يُصاغ ضمن تعليمات وأنظمة وخطط وُضعت سلفاً، والمسؤول في هذا السياق حارسٌ على سلامة هذا المسار، يضع توقيعه في النهاية تحمّلاً للمسؤولية، لا ادّعاءً للبطولة.
نعم، هناك قرارات تُتخذ بحزم وأحياناً بسرعة، غير أنّ هذا الحزم لا ينفصل عن الرؤية الإدارية ولا يقف خارجها، وإنّما يأتي كممارسة للمسؤولية ضمن سياقها. كما أن المشهد الإداري كثيراً ما ينقلب، فيتحوّل التوقيع إلى قرار وتُستبدل الوثيقة بالصورة الإعلامية ويُقدَّم الفعل الإداري كما لو كان اجتهاداً شخصياً لا نتاج عملٍ مؤسسي.
مع هذا الانقلاب، تتراجع المؤسسة خطوات إلى الخلف ويتقدّم الفرد خطوةً وهميةً إلى الواجهة، إذ يُعاد تعريف الإدارة بوصفها إرادة شخص لا نظام عمل وتُختزل فكرة الوحدة بآمرها إلى وحدة باسم القائد، لا وحدة يقودها فريق ويضبطها نظام. بينما المعنى المهني للوحدة يقوم على قيادة تجمع ولا تُقصي، وتنسّق ولا تحتكر.
هذا النمط لا ينشأ مصادفة، بل يتغذّى من ثقافة إدارية ترى في المسؤول مركز الفعل، وتربط الكفاءة بالاسم لا بالبنية، وتعد الحسّم السريع دليلاً على القوة. في مثل هذا المناخ، تُهمَّش الدوائر الفنية ويصمت أصحاب الخبرة وتتقلص قيمة الدراسة والتحليل، لأنّ القرار سبق المسار أو جرى تكييف المسار لاحقاً ليبدو مبرَّراً.
فالقرار الذي يُنسب إلى فردٍ يفقد ذاكرته سريعاً، يرحل صاحبه أو يتغير مزاجه، فيتغير معه الاتجاه، وما كان مشروعاً بالأمس يتحوّل إلى عبء اليوم. هكذا تُستنزف المؤسسات في إعادة البدء وتبقى السياسات العامة عالقة في مرحلة التجربة، دون تراكم أو استدامة.
الأخطر أن شخصنة القرار تُربك المساءلة، عندما يُنسب القرار إلى مدير، يُساءل الشخص لا المسار وعند الإخفاق يُبحث عن كبش فداء بدل البحث في الخلل البنيوي.
ومع غياب الاعتراف بالمسار، تفقد الإدارة قدرتها على التعلم، لأن ما لا يُوثّق لا يُراجَع وما لا يُراجَع لا يُصحّح.عمق المشكلة لا يكمن في المدير الذي يوقّع وإنما في الطريقة التي يُهيّأ بها القرار للشارع ويُصفَّق له طلباً للرضا أو طمعاً في صوت قادم.
الشرعية الإدارية لا تُبنى على القبول الآني وإنما على سلامة الإجراء ووضوح الطريق الذي سلكه القرار قبل أن يصل إلى التوقيع.
الإدارة القائمة على المعرفة تفترض أن القرار نتيجة لا نقطة بداية وأن البيانات تتقدّم على الرأي وأن الفريق يتقدّم على الفرد وأن الخطة تتقدّم على اللحظة.
وفي غياب هذا الفهم تتحوّل الإدارة إلى ممارسة حدسية تُدار بالتجربة والخطأ وتُغطّى بالشعارات، ليُصبح رأي الموظف فائضاً وتسود ثقافة الانتظار ويُكافأ الصمت وتُعاقَب المبادرة.
المدير الناجح يُقاس بقدرته على حماية المسار المؤسسي، وضمان أن يكون توقيعه نهاية طريق مدروس، لا بداية مغامرة، وعندما نطرح سؤال: متى يكفّ المديرون عن القرار؟ فإننا ندعو إلى إعادته إلى موضعه الطبيعي، القرار مكانه المؤسسة والتوقيع مكانه المدير كجزء منها وما عدا ذلك اختلال يستحق المراجعة، لا التبرير.