15 Aug
15Aug

مقدمة:


لطالما تميّزت المرجعية الدينية العليا بآلية اختيار تقليدية متوارثة: يجتمع أهل الخبرة والاختصاص فيقرّرون من هو الأعلم والأجدر، ثم يتبعهم العامة تلقائياً بثقةٍ راسخة. لكننا اليوم نقف على أعتاب مرحلة تختلف جذرياً عما سبقها؛ فالمعادلات تغيرت، والقواعد التي سارت عليها القرون تتعرض لاهتزاز غير مسبوق.أولاً: انقلاب المعادلة.


لأول مرة في تاريخ المرجعية الحديثة، يبدو أن القرار لم يعد حكراً على «أهل الخبرة» وحدهم في غرف الحوزات المغلقة. فقد انتقل جزء كبير من سلطة القرار إلى «الرأي العام»، مدفوعاً بثورة الاتصال ووسائل التواصل.

 لم يعد الناس ينتظرون شهادة النخبة، بل يرون ويسمعون ويقيمون بأنفسهم، فيختارون من يظنونه أهلاً — بناءً على ما تلقّوه وتشكل في وعيهم — وليس بالضرورة وفقاً لمعايير الكفاءة العلمية الدقيقة التي يُعنى بها المتخصصون.


هذا التحول العميق يعني أن «القبول الشعبي» بدأ يسبق «الأهلية العلمية»، بدلاً من أن يتبعها.ثانياً: الإعلام وصناعة الوعي .


لا تقلق السلطات والجهات المختلفة فرض مرجع بالاسم والمرسوم؛ فالناس بطبيعتهم ينفرون من الفرض العلني. لكن الأخطر من ذلك كله، ما أشرنا إليه من أن اليد الخفية تعمل بطرق أكثر مكراً وأشد تأثيراً: عبر صناعة الوعي نفسه.
إن من يملك المنابر ومنصات التواصل لا يفرض عليك رأياً فحسب، بل يصنع لك المعايير ويحدد لك الخيارات، حتى تظن أنك وصلت إلى قرارك بمحض إرادتك وقناعتك الشخصية. وهنا تكمن البراعة: أن تُقنع الناس بأنهم اختاروا من تلقاء أنفسهم، بينما الخيارات والمعايير قد صُغت لهم مسبقاً بأيدٍ لا يرونها.ثالثاً: صراع المحاور.. وغياب المرشح المقنع.


يدور صراع خفي محتدم بين قوى إقليمية وعالمية، كل منها يسعى لتوجيه الرأي العام نحو ما يخدم رؤيته ومصالحه. وكل طرف يمتلك عناصر قوة حقيقية: فمنهم من يملك بنى تحتية وعلاقات تاريخية عميقة تمتد لعقود، ومنهم من يسيطر على أدوات الاتصال ومنصات التأثير في وعي الملايين.


غير أن نقطة الضعف المشتركة لدى جميع الأطراف تتجلى في حقيقة واحدة: لا أحد يملك حتى الآن مرشحاً حقيقياً يجمع الشروط كاملة ويحظى بقبول عام وشامل. 

فالمحور الذي يملك النفوذ الميداني يفتقر إلى المرجعية المعنوية المقنعة التي لا تُورّث ولا تُشرى بالمال. والمحور الذي يملك أدوات التأثير الإعلامي لا يملك مرجعاً أصيلاً يتسلم القيادة برصيد علمي وتاريخي راسخ.


وهذه المفارقة هي التي ستشكل ملامح المرحلة القادمة.رابعاً: من «مرجعية واحدة» إلى «تعدد المرجعيات»
بناءً على ما سبق، فإن السيناريو الأرجح والأكثر واقعية هو أن الأمر لن يُحسم سريعاً. لن يبرز اسم واحد يُجمع عليه كما جرت العادة طويلاً. بل سندخل عهد التعدد والتنوع، حيث يتصدر أكثر من مرجع، لكل فريق أنصاره ومقلدوه، وكل فريق مقتنع تماماً بأن إمامه هو «الأعلم والأحق».


ولن يكون هذا الانقسام عشوائياً، بل سيتطابق في معظمه مع الاصطفافات السياسية والثقافية القائمة في الساحة. فكل فريق سيختار مرجعاً يتوافق مع موقفه ورؤيته السياسية مسبقاً، ثم يبحث عن الأدلة والشهادات التي تؤكد ما اختاره قلبه. وهكذا تنقسم المرجعية — ليس لأن المراجع تابعون — بل لأن المقلدين قد اصطفوا، فاختار كل فريق من يشبهه ويوافق طريقه.


لن يقول أحد «مرجعي تابع لهذا المحور أو ذاك»، بل سيقول كل فريق بكل صدق واقتناع: «اتبعتُ الأعلم والأتقى». والحقيقة أن معيار «الأعلم» نفسه قد أُعيدت صياغته ليطابق ما كان راسخاً في الوجدان السياسي لكل فريق.خاتمة
إننا أمام تحول تاريخي لا مفر منه. 

انتهى عهد «المرجعية الواحدة المتفق عليها» إلى غير رجعة في المدى المنظور. وسوف تمتد مرحلة التعدد والتنازع سنوات بل ربما عقوداً، حيث يصنع كل فريق مرجعيته بمعاييره الخاصة، ويبقى الجميع في انتظار أن يبرز اسم يملك من الرصيد ما يجعل الناس يتفقون عليه تلقائياً — بلا دعم مفروض، ولا حملات مُوجَّهة.
وحتى ذلك الحين، سيبقى الاختبار الأكبر: هل تبقى المرجعية مصدر القرار التي يحتكم الناس إليها ليعرفوا الحق؟ أم ستصبح غطاءً يُستخدم لشرعنة قرارات اتُّخذت في مكان آخر، وبأيدي غير أهلها؟

سامي العسكري

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن