09 Jun
09Jun


 د. سيف الدين زمان الدراجي 

باحث في شؤون السياسة الخارجية والأمن الدولي. عضو الأكاديمية الملكية البريطانية لدراسات الدفاع.

───
بينما يشهد الوضع الدولي والإقليمي حالة من التعقيد و اللايقين، ثمة سؤال يدور في فلك المفكرين و واضعي السياسات الوطنية: ماذا يعني أن يكون العراق دولة آمنة؟ والإجابة هنا لم تعد تكتمل بالحديث عن الجيوش والحدود وهزيمة الإرهاب. فالأمن القومي في القرن الحادي والعشرين أصبح منظومة مركبة تتشابك فيها مسارات الاقتصاد والمياه والتكنولوجيا والحوكمة والإصلاح المؤسسي، وأي خلل في أحدها قادر على إنتاج أزمة أمنية بامتياز.


لعقود طويلة، انشغل العراق بمواجهة أشد التحديات وضوحاً، وأخطرها على إستقراره: الإرهاب والتطرف العنيف. وقد نجحت المؤسسات العسكرية والأمنية، بدعم شعبي واسع وشراكات دولية، في استعادة الأراضي وكسر شوكة التنظيمات المسلحة، وهو إنجاز وطني حقيقي يعكس عمق صمود الدولة العراقية وقدرتها على تجاوز أصعب الاختبارات. لكن هذا النجاح دفع الدولة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم تعد التهديدات تأتي بوجه واحد مكشوف، بل باتت تتشكل في فضاءات رقمية واقتصادية واجتماعية تتطلب أدوات مختلفة، ووسائل مُحدثة وتفكيراً استراتيجياً عميقاً، يتناسب وماهية هذه التهديدات.


إن التطرف اليوم لم يعُد يحتاج إلى أرض محتلة ولا إلى راية مرفوعة. فخوارزمية توصي بمحتوى على منصة رقمية، وجيل يبحث عن بصيص أمل في فضاء رقمي مفتوح، قادر على تهيئة بيئة ملائمة لتناميه. 

كما أن الهجمات السيبرانية باتت قادرة على تعطيل بنى تحتية حيوية دون إطلاق رصاصة واحدة. وحملات التضليل الإعلامي، والمعلومات المشوشة، أصبحت أداة حرب ناعمة تستهدف تفتيت الثقة بالمؤسسات وزعزعة التماسك الوطني. ولهذا فإن الدولة العراقية التي واجهت إرهاباً تقليدياً ببسالة كبيرة، بحاجة اليوم إلى بناء منظومة دفاع موازية في الفضاء غير التقليدي.


وفي قلب هذه المنظومة يقع إصلاح القطاع الأمني بوصفه ركيزة استراتيجية لا رفاهية إدارية. فالمؤسسات الأمنية التي خاضت حرب التحرير ضد داعش وأثبتت كفاءتها الميدانية مدعوة اليوم إلى تحول نوعي في طبيعة عملها وأدواتها وعقيدتها. 

فالتنسيق بين الأجهزة الأمنية المختلفة، وتطوير القدرات الاستخبارية الوطنية، وتعزيز الكفاءة المؤسسية، وترسيخ مبادئ سيادة القانون وحقوق الإنسان في العمل الأمني لم تعد مطلباً دولياً خارجياً، بل ضرورة وطنية داخلية. فالمؤسسة الأمنية التي تحظى بثقة المواطن وتعمل ضمن إطار قانوني رصين هي أقدر على مواجهة التهديدات المعاصرة من تلك التي تعتمد على القوة وحدها. 

إن إصلاح القطاع الأمني في جوهره عملية بناء ثقة متبادلة بين الدولة ومجتمعها، وهي الجبهة الداخلية الحقيقية التي تحمي الدولة حين تتعقد التهديدات وتتشابك.
ومن أبرز التحديات التي تواجهها الدول في بيئات الضغط الإقليمي المتصاعد إدارة ملف الرواتب والإنفاق العام باتزان مالي مستدام. فاستمرارية دفع رواتب موظفي الدولة في مواعيدها ليست مجرد التزام مالي، بل هي تعبير يومي ملموس عن أهمية حضور الدولة في حياة المواطن وثقته باستقرارها. ولعل الحكومة العراقية تدرك هذه الحقيقة جيداً وتسعى إلى تعزيز الاستقرار المالي، إذ إن الموظف المطمئن على دخله هو مواطن أكثر إسهاماً في الإنتاج والتماسك الاجتماعي، وهو عنصر أمني أكثر ثباتاً في منظومة الدولة. ولهذا فإن تنويع مصادر الإيراد الوطني وتقليل الاعتماد على مورد واحد يمثلان ركيزتين استراتيجيتين لا تنمويتين فحسب.


وفي السياق الاقتصادي ذاته، تواجه الدول في لحظات الضغط المالي إغراء اللجوء إلى الحلول النقدية السريعة كالتوسع في إصدار العملة. غير أن التجارب الدولية المقارنة تؤكد أن السياسة النقدية الرشيدة القائمة على الانضباط المالي وتنويع الاقتصاد هي الطريق الأضمن للحفاظ على استقرار العملة وصون القدرة الشرائية للمواطنين، ومنع التضخم، بما يحمي التماسك المجتمعي ويصون الاستقرار الوطني على المدى البعيد. ولابد أن يكون هذا هو المسار الذي تسعى إليه الحكومة العراقية في إطار رؤيتها للإصلاح الاقتصادي.


وعلى الصعيد الجيوسياسي، فقد كشفت التطورات الإقليمية الأخيرة، والحروب التي نشبت في المنطقة، أن الاقتصاد العراقي يحتاج إلى تعزيز مرونته أمام الصدمات الخارجية.

 فاعتماد التصدير على ممر بحري واحد يمثل ثغرة استراتيجية على العراق أن يعمل على معالجتها من خلال مشاريع طريق التنمية وتنويع منافذ الطاقة، وهي مشاريع تحول الموقع الجغرافي العراقي من نقطة عبور إلى عقدة ربط إقليمية حقيقية تُعزز وزن العراق في معادلات التجارة والطاقة الإقليمية.
ولا يقل عن ذلك أهمية ملف المياه الذي يمثل أحد أكثر التحديات الاستراتيجية إلحاحاً في المدى المنظور. فتراجع الروافد المائية وتأثيرات التغير المناخي يستدعيان دبلوماسية مائية نشطة وإدارة داخلية رشيدة للموارد، ضمن رؤية وطنية شاملة تُدرج الأمن المائي في صميم أولويات الأمن القومي لا في هامشه.
أن المرونة الوطنية التي يجب أن يسعى العراق إليها لا تعني الحصانة من التحديات، بل تعني القدرة على مواجهتها دون انكسار، والتكيف معها دون تخلٍّ عن الثوابت. وهي مرونة تبنى بمؤسسات أمنية كفوءة تعمل باحتراف ووفق القانون، وسياسات اقتصادية متوازنة تصون قيمة العملة وتضمن استمرارية الخدمات، وشراكات دولية راسخة، ومجتمع يشعر بأن الدولة تمثله وتحميه.
إن الأمن القومي بمفهومه الحديث لا يُقاس بعدد الحروب التي ربحتها الدولة، بل بقدرتها على أن تبقى متماسكة وفاعلة حين تتقلب الخرائط من حولها.

 والعراق اليوم، بما أنجزه وبما يبنيه، يمتلك من الإرادة والإمكانات ما يجعله قادراً على اجتياز هذه المرحلة وتحويل تحدياتها إلى فرص للنهوض الوطني.

د. سيف الدين زمان الدراجي — باحث في شؤون السياسة الخارجية والأمن الدولي. عضو الأكاديمية الملكية البريطانية لدراسات الدفاع.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن