15 Aug
15Aug



لا يمكن بناء اقتصاد عراقي قوي ومستدام بالاعتماد على الإنفاق الحكومي والنفط وحدهما. فالتنمية الحقيقية تبدأ عندما يتحول الاقتصاد من اقتصاد يعتمد على الدولة إلى اقتصاد تشارك فيه الدولة والقطاع الخاص والمصارف والمؤسسات المالية بصورة متكاملة، ضمن بيئة تقوم على الحوكمة الرشيدة والشفافية وسيادة القانون.


وفي هذا الإطار، تبرز أهمية المصارف المحلية والإقليمية باعتبارها أحد أهم المحركات التي يمكن أن تدعم التحول الاقتصادي، ليس فقط من خلال حفظ الأموال وتقديم الخدمات المصرفية، وإنما عبر توفير التمويل الذي يحتاجه القطاع الخاص والمواطن للمشاركة الفاعلة في عملية التنمية.


المصرف ليس مجرد مؤسسة مالية :


في الاقتصادات الحديثة، المصرف شريك أساسي في التنمية. فحين يستطيع صاحب المشروع الوصول إلى تمويل طويل الأمد وبكلفة معقولة، يصبح قادراً على توسيع أعماله، وشراء المعدات، وتوظيف المزيد من العاملين، وزيادة الإنتاج والخدمات.


وهذا ينطبق على مختلف القطاعات: من الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات، إلى قطاع السيارات، والإعمار، والسكن، والطاقة، والتكنولوجيا، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.


إن توفير قروض طويلة الأمد بفوائد ميسّرة ومدروسة يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية في الاقتصاد العراقي، خصوصاً إذا ارتبط التمويل بمشاريع إنتاجية واضحة ودراسات جدوى وضوابط مصرفية سليمة.


السكن والسيارة ليسا رفاهية فقط:


قطاع الإسكان، على سبيل المثال، لا يقتصر أثره على توفير منزل للمواطن. فتمويل بناء المساكن يحرك سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية: شركات البناء، المقاولين، مصانع الإسمنت والحديد، الأثاث، الأجهزة المنزلية، النقل، الهندسة والاستشارات، إضافة إلى آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
والأمر نفسه ينطبق على قطاع السيارات. فتمويل شراء السيارات بصورة منظمة ومدروسة يمكن أن يدعم قطاعات الاستيراد والتجارة والصيانة والتأمين والخدمات اللوجستية، مع إمكانية تطوير هذا القطاع مستقبلاً نحو التجميع والصناعة المحلية.


لكن الأهم هو أن يكون التمويل ميسراً وطويل الأجل، وليس عبئاً إضافياً على دخل المواطن.


من اقتصاد النفط إلى اقتصاد متعدد المصادر:


إن تنويع مصادر الدخل الوطني لا يعني فقط زيادة الضرائب أو البحث عن إيرادات جديدة، بل يعني خلق اقتصاد قادر على إنتاج الثروة خارج القطاع النفطي.
وهنا تتكامل أدوار المصارف والقطاع الخاص والدولة.


فالقطاع الخاص يحتاج إلى التمويل، والمصارف تحتاج إلى بيئة اقتصادية وقانونية مستقرة، والدولة تحتاج إلى إصلاحات تضمن الشفافية والمنافسة العادلة وتحمي حقوق المستثمرين والمودعين.


ومن دون إصلاح القطاع المصرفي وتطوير أدوات التمويل، سيبقى جزء كبير من رأس المال خارج الدورة الاقتصادية، بينما تستمر الدولة في تحمل العبء الأكبر لتمويل النشاط الاقتصادي.


الثقة هي أساس الاستثمار:


لا يمكن للمصارف أن تؤدي دورها التنموي الكامل من دون وجود ثقة.
والثقة لا تُبنى بالقرارات المؤقتة، وإنما من خلال حوكمة رشيدة، وشفافية، ومكافحة حقيقية للفساد، واستقلال المؤسسات، واستقرار القوانين، وحماية حقوق الملكية، وتبسيط الإجراءات.


كما أن تشجيع المصارف المحلية والإقليمية والدولية على العمل والاستثمار في العراق يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية أوسع لربط الاقتصاد العراقي بالاقتصادات الإقليمية والدولية.


العراق يمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً وسوقاً كبيرة وموارد بشرية وطبيعية مهمة، لكن تحويل هذه المزايا إلى نمو اقتصادي مستدام يتطلب منظومة مالية ومصرفية قادرة على تمويل الاقتصاد الحقيقي.


المواطن هو الهدف النهائي:


في نهاية المطاف، لا تقاس نجاحات الإصلاح الاقتصادي بعدد القوانين التي تصدر، ولا بحجم الموازنات الحكومية، وإنما بقدرة المواطن على أن يعيش حياة أفضل.


أن يمتلك الشاب فرصة عمل، وأن يستطيع المواطن شراء أو بناء منزل ضمن قدرته المالية، وأن يتمكن صاحب المشروع من الحصول على قرض لتوسيع عمله، وأن تستطيع الشركة العراقية منافسة الشركات الإقليمية والدولية، كلها مؤشرات حقيقية على نجاح الاقتصاد.


لذلك فإن تطوير المصارف وتمكين القطاع الخاص ليسا هدفين ماليين بحد ذاتهما، بل وسيلة لتحسين مستوى المعيشة وخلق فرص العمل وبناء طبقة وسطى أكثر قوة واستقراراً.


نحو شراكة اقتصادية جديدة:


العراق بحاجة إلى الانتقال من مفهوم الدولة المموِّلة لكل شيء إلى مفهوم الدولة التي تضع القواعد وتضمن المنافسة وتوفر البيئة المناسبة، بينما يقوم القطاع الخاص والمصارف بدورهما في الاستثمار والتمويل والإنتاج.


وهذا يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والمصارف والقطاع الخاص والمستثمرين المحليين والإقليميين والدوليين.


إن بناء اقتصاد متنوع ومترابط إقليمياً ودولياً، قائم على الاستثمار والإنتاج والتمويل المصرفي والقطاع الخاص، هو الطريق الأكثر واقعية للخروج من اقتصاد الريع إلى اقتصاد التنمية.


وفي النهاية، فإن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بحجم احتياطيات الدولة أو عائدات النفط، بل بقدرة مؤسساته على تحويل رأس المال إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل، وفرص العمل إلى حياة أفضل للمواطن.


وهذه هي المعادلة التي يحتاجها العراق اليوم: مصارف قوية، قطاع خاص منتج، دولة حوكمة ورقابة، واستثمار يقود إلى تنمية مستدامة وحياة أفضل للمواطن.

كوردو بيباك جاف

 علاقات دولية و تنمية اقتصادية

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن