منتصر صباح الحسناوي
في الخامس عشر من كانون الأول عام 2017، وبعد أن أعلن العراق انتصاره على تنظيم داعش، اتجهت المرجعية الدينية العليا إلى رسم الأولوية في المرحلة المقبلة، فجاء في توجيهاتها التي ألقاها ممثلها الشيخ عبد المهدي الكربلائي ضمن خطبة الجمعة :
“إن التحرك بشكل جدّي وفعّال لمواجهة الفساد والمفسدين يعدّ من أولويات المرحلة المقبلة، فلا بدَّ من مكافحة الفساد المالي والإداري بكل حزمٍ وقوة من خلال تفعيل الأُطر القانونية وبخططٍ عمليةٍ وواقعية بعيداً عن الإجراءات الشكلية والاستعراضية. إن المعركة ضد الفساد ـ التي تأخرت طويلاً ـ لا تقلّ ضراوة عن معركة الإرهاب إن لم تكن أشدَّ وأقسى، والعراقيون الشرفاء الذين استبسلوا في معركة الإرهاب قادرون ـ بعون الله ـ على خوض غمار معركة الفساد والانتصار فيها أيضاً إن أحسنوا إدارتها بشكل مهني وحازم.”
بعد ما يقارب تسع سنوات تبدو هذه الكلمات أكثر وضوحاً مما كانت عليه يوم أُلقيت وتبقى العبارة الأكثر حضوراً فيها: “التي تأخرت طويلاً”.
فقد وضعت المرجعية يدها على حقيقة كانت قائمة منذ سنوات؛ فالفساد كان قد استقر في مفاصل متعددة من الدولة واستنزف مؤسساتها وأضعف قدرتها على أداء وظائفها.
وفي الوقت نفسه، كان العراق يخوض حرباً وجودية فرضت توجيه إمكاناته نحو مواجهة الإرهاب، فجاءت خطبة النصر لتعلن انتقال الأولويات إلى المعركة المؤجلة وتدعو إلى خوضها بالجدية نفسها التي خيضت بها معركة الدفاع عن الوطن.وبعد هذا التشخيص الدقيق، يبرز سؤال يفرض نفسه اليوم: كيف بقيت هذه المعركة مؤجلة، على الرغم من أن الجميع أدرك خطورتها منذ ذلك الوقت؟
تكمن الإجابة في طبيعة الفساد نفسه، فالقضية تتجاوز وجود أشخاص يسيئون استغلال السلطة أو يخالفون القانون، لتصل إلى المناخ الذي يسمح باستمرار هذه الممارسات ويوفر لها الحماية ويعيد إنتاجها بأشكال مختلفة.
فالفساد يشبه الكائنات الطفيلية، يبحث دائماً عن بيئة مناسبة، وما إن يجدها حتى يبدأ بالتكاثر والتمدد، مستفيداً من كل نقطة ضعف في الجسد الذي يعيش فيه.ومن هنا، تصبح مناعة الدولة هي خط الدفاع الأول، فالمناعة المؤسسية تُبنى بمنظومة وقائية تغلق منافذ الفساد قبل أن يترسخ وبمنظومة ردع تجعل كلفة التجاوز أعلى من أي منفعة متوقعة.
لكن عندما تتداخل المصالح وتتراجع المساءلة وتحضر الحماية السياسية أو الإدارية، يبدأ الفساد بإعادة تشكيل قواعد العمل داخل المؤسسة ويقترب من مراكز القرار، حتى يتحول المنصب عند بعضهم من مسؤولية إلى وسيلة لتحقيق المكاسب.
وعند هذه المرحلة، تنتقل المشكلة من مخالفة فردية إلى منظومة ومن سلوك معزول إلى ثقافة تتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة الإدارية.
وتأتي أهمية ما يجري اليوم من فتح ملفات وإجراء تحقيقات وإثارة قضايا، في كونه خطوة ضمن مسار الإصلاح، غير أن نجاح هذا المسار يقاس بقدرته على تضييق المساحة التي تسمح بظهور حالات جديدة. فالدولة الناجحة في مكافحة الفساد تُعرف بقدرتها على تقليل عدد من يحتاجون إلى المحاسبة، أكثر من عدد من تُحاسبهم. وهذا هو الفارق بين إدارة ملفات الفساد وبين بناء منظومة تجعل الفساد استثناءً لا قاعدة، فالأولى تتعامل مع النتائج، والثانية تعالج الأسباب.
ومع مرور الزمن، يبرز خطر أشد عمقاً، يتمثل في اعتياد المجتمع على وجود الفساد، حتى تصبح الرشوة واستغلال النفوذ والتجاوز على القانون والعقود المشبوهة، جزءاً من المشهد اليومي. ومع هذا الاعتياد تتراجع حساسية المجتمع تجاه الخطر ويبدأ التكيف معه، فتتكون شرعية صامتة تمنح الفساد قدرة أكبر على الاستمرار.
لقد واجه العراقيون الإرهاب بتنوعة كعدوٍ واضح يقف خارج سياقات الدولة، فتوحدت الإرادات لمواجهته.
أما الفساد فيتحرك داخل المؤسسات، ويستفيد من تعقيدات الإجراءات، وتشابك المصالح والثغرات القانونية، وضعف الرقابة، الأمر الذي يجعل معركته أكثر تعقيداً ويمنح وصف المرجعية لها بأنها قد تكون أشد وأقسى دلالة عميقة تتجاوز حدود الوصف إلى تشخيص طبيعة التحدي.
واليوم، تبدو كلمات المرجعية مشروعاً وطنياً ما زال ينتظر اكتمال أدواته. فالمعارك الكبرى تُحسم عندما تتحول إلى سياسات وتشريعات ومؤسسات وثقافة عامة تؤمن بأن حماية المال العام أساس لاستقرار الدولة، وأن النزاهة ليست مسؤولية جهة بعينها، بل مسؤولية وطن بأكمله.
ويبقى سؤال المرجعية حاضراً في ضمير كل عراقي: إذا كانت معركة الفساد قد “تأخرت طويلاً” عام 2017، فأي وصف تستحقه اليوم؟
ولعل الإجابة تكمن في أن الفساد كالكائنات الطفيلية، يمد في عمره بقدر ما تطول حياة الحاضنة التي تغذيه، أما الإصلاح الحقيقي، فيبدأ باستعادة مناعة الدولة وتجفيف منابع الفساد، وبناء منظومة تجعل القانون هو الحماية الوحيدة، فيغدو الفساد حالة طارئة تُطاردها الدولة، لا واقعاً يفرض نفسه على مؤسساتها.