05 Jun
05Jun


منتصر صباح الحسناوي


مع رحيل الشيخ محمد إسحاق الفياض، بادرت شخصيات دينية ورسمية ومجتمعية إلى تقديم رسائل التعزية، وكان الحال ذاته في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، في الوقت الذي ظهرت فيه بعض الأصوات التي حاولت التقليل من قيمة تلك المواقف بحجة أن الرجل ليس عراقياً وأن أصوله تعود إلى أفغانستان.

مع إن الأمر لا يرتقي إلى مستوى الجدل لكنه يكشف عن عدم وضوح الصورة أو نقص المعرفة لدى كثيرٍ ممن تناولوا هذا الموضوع، فهم يتحدثون عن حوزة النجف دون معرفة بطبيعتها ولا يدركون كيف نشأت أو كيف تكوّنت شخصيتها العلمية عبر قرون طويلة. تكمن المشكلة في أن كثيراً من الناس يتصورون حوزة النجف على أنها مؤسسة محلية تشبه جامعة حكومية أو مركزاً أكاديمياً أُنشئ لخدمة مدينة أو محافظة بعينها، أما الواقع فيختلف كثيراً عن ذلك.

 حوزة النجف مدرسة علمية كبرى استقبلت على مدى ما يقرب من ألف عام طلاب العلم من مختلف البلدان الإسلامية وتحولت مع الزمن إلى واحدة من أعرق المراكز العلمية الدينية في العالم.فمنذ القرن الخامس الهجري ومع قدوم الشيخ الطوسي إلى النجف، بدأت ملامح هذه المؤسسة العلمية تتشكل بصورة أكثر وضوحاً، ثم توالت الأجيال جيلاً بعد جيل حتى أصبحت النجف مدينةً للعلم بقدر ما هي مدينة للزيارة والعبادة، في أزقتها القديمة ومدارسها ومساجدها ومكتباتها تشكلت شبكة معرفية واسعة لم تسأل الطالب يوماً عن قوميته أو أصله بقدر ما سألته عن علمه واجتهاده وقدرته على البحث والتحصيل.

وعلى امتداد القرون تعاقبت دول وسلطات وإمبراطوريات مختلفة على العراق، فيما بقيت الحوزة قائمة تؤدي دورها العلمي، تستقبل طلابها من العراق وإيران وأفغانستان والهند ولبنان وباكستان والخليج العربي وغيرها من البلدان، حتى غدت واحدة من أقدم المؤسسات العلمية المستمرة في العالم الإسلامي. هذه الاستمرارية الطويلة هي ثمرة انفتاح علمي جعل المعرفة هي معيار الانتماء الأول داخل هذه البيئة.

من هنا يمكن فهم ظاهرة قد تبدو غريبة لمن ينظر إليها بعين الدولة الحديثة، فكثير من كبار علماء النجف ولدوا خارج العراق، لكنهم عاشوا فيه عقوداً طويلة،درسوا ودرّسوا فيه وارتبطت أسماؤهم به حتى أصبحوا جزءاً من تاريخه الثقافي والديني، ولم يكن ذلك استثناءً طارئاً، وإنما سمة رافقت الحوزة منذ قرون.
فالسيد أبو القاسم الخوئي لم يولد في العراق، والسيد علي السيستاني كذلك، ومع ذلك لم يكن يُنظر إليهما يوماً كوافدين أو غرباء، وإنما هم علماء النجف ومراجعها الكبار، فقد ارتبطت أسماؤهم بتاريخ المدينة ومؤسساتها العلمية ومجتمعها، وأصبح حضورهم جزءاً من ذاكرة العراق المعاصرة، فالانتماء العلمي في هذه البيئة كان دائماً أوسع من حدود الجغرافية.


هل ذلك غريب في العالم ؟ بالتأكيد لا ، فذلك يشبه إلى حد بعيد ما يحدث لاشخاص أجانب خدموا في الجامعات العالمية الكبرى كهارفارد أو السوربون لعشرات السنين، ويسهمون في بناء سمعتها العلمية وتخريج أجيال من طلبتها، فإنهم يصبحون جزءاً من تاريخ تلك المؤسسة والبلد الذي احتضن تجاربهم، مهما كان موطنهم الأصلي. وحوزة النجف عرفت هذا النموذج من الانفتاح العلمي منذ قرون طويلة، قبل أن يصبح مفهوماً مألوفاً في المؤسسات الأكاديمية الحديثة.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم مكانة الشيخ محمد إسحاق الفياض في الوجدان العراقي، فالرجل  أمضى في العراق معظم عمره العلمي وتتلمذ على يديه آلاف الطلبة وأصبح اسمه جزءاً من تاريخ النجف المعاصر. لذلك ارتبط بالعراق ارتباطاً صنعته العقود الطويلة من العيش والعمل والعطاء العلمي وهو ارتباط يتجاوز الوثائق الرسمية إلى فضاء أوسع تصنعه الذاكرة المشتركة والإسهام الحضاري.
ولهذا فإن تعزية العراقيين برحيل الشيخ الفياض لا تحتاج إلى تبرير، فحين يودع العراقيون شخصية كهذه، فهم يودعون عالماً عاش بينهم وأسهم في بناء مؤسسة علمية عراقية عريقة، وكان جزءاً من المشهد الثقافي والديني الذي تشكلت حوله أجيال متعاقبة من أبناء البلاد.


وربما تكشف هذه الحادثة عن حاجة العراقيين إلى إعادة اكتشاف واحدة من أعرق مؤسساتهم الثقافية والعلمية ف "حوزة النجف" لم تبنِ مكانتها لأنها جمعت أبناء مدينة واحدة أو قومية واحدة، وإنما لأنها استطاعت عبر قرون طويلة أن تجمع العقول حول العلم، وأن تحول التنوع البشري إلى مشروع معرفي متواصل.لهذا كانت النجف عراقيةً في جذورها، نجفيةً في مكانها، وعالميةً في رسالتها، ومن هذا المزيج الفريد اكتسبت قوتها وحافظت على حضورها طوال قرون متعاقبة وبقي اسمها حاضراً في الذاكرة الإسلامية كواحدة من أعرق المدن العلمية في العالم، وبقي علماؤها يُنسبون إليها بقدر ما تُنسب هي إليهم.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن