بقلم: الدكتور محمد مرعي الخزاعي
قد يبدو العنوان للوهلة الأولى متناقضاً أو يحمل في طياته شحنة من السخرية السياسية، لكنه في الحقيقة يجسد التوصيف الأدق للاعقلانية الجيوسياسية التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية عبر عقيدة "الأنا" الكونية.
إنه التعبير الصارخ عن حالة انحدار نحو الهاوية تُغلف بصفاقة تحت شعارات التفوق وشعارات "جعل أمريكا عظيمة مجدداً"؛ هبوطٌ مدوٍّ يُراد له استعراضياً أن يظهر كصعودٍ إلى القمة. التخبط الاستراتيجي: من "البسطار العسكري" إلى "صناعة الصفقات" في ظل إدارة دونالد ترامب، اتجهت واشنطن نحو إعادة تعريف مفاهيم النفوذ والقوة؛ بالتحول من الحضور العسكري المباشر إلى الحضور الاقتصادي، ومن إدارة الأزمات بالردع والنار إلى إدارتها بالمصالح والأسواق والاستثمارات.
غير أن هذا التحول لم يكن نتاج رؤية استراتيجية متكاملة، بل جاء محكوماً بعقلية "صانع الصفقة" التجاري الذي تجاوز إرادة المؤسسات (وفي مقدمتها الكونغرس)، محولاً السياسة الخارجية الإقليمية والدولية إلى قرارات مرتجلة وهوجاء.
هذا الإرباك الشديد أطاح بما تبقى من ثقة لدى حلفاء واشنطن التقليديين؛ سواء في الشرق الأوسط أو الاتحاد الأوروبي، أو حتى في جوارها الشمالي المباشر.
وفي غضون أيام معدودة، تعرضت الأركان الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية لزلزال لا يُقاس بمقياس "ريختر"، بل يُقاس بحجم التحولات البنيوية التي تؤسس لمخاض قطبية جديدة في الشكل والمضمون.
زلزال الميدان: كيف خسرت واشنطن شرياني الطاقة في العالم؟
على الصعيد العسكري—
الذي أريد منه تأمين مكاسب اقتصادية وضمان هيمنة خطوط الملاحة—وئدت فكرة الممر الدولي العام في مضيق هرمز.
وفي اليمن، حيث اعتمدت أطراف النزاع الإقليمية على الحليف الأمريكي لضمان أمنها، جاءت الرياح بما لا تشتهيها الأوهام الاستراتيجية.
لقد وجه ميدان المواجهة ضربات قاسية للترتيبات الأمنية المفترضة؛ حيث تمكن أنصار الله (الحوثيون) من إلحاق خسائر فادحة بقوات التحالف، والسيطرة على مساحات ومديريات حيوية مطلة على مضيق باب المندب والجزر الحاكمة فيه، واستعادة زمام المبادرة الميدانية.
ولم تكن القشة التي قصمت ظهر الثقة مجرد تطورات ميدانية، بل كانت حادثة إسقاط الطائرة السعودية F-15 الأمريكية الصنع بأسلحة دفاع جوي (ذات أصول صينية ومطورة محلياً)، ما شكل صدمة استراتيجية أثبتت عجز التكنولوجيا العسكرية الأمريكية عن توفير مظلة حماية مطلقة. هذه التحولات أدت إلى:
1. وقوع عصبي الاقتصاد العالمي للطاقة (باب المندب وهرمز) ضمن نطاق تأثير القوى الإقليمية المناهضة للهيمنة الأمريكية، مما منح إيران وأدواتها أوراق تفاوضية فائقة القوة.
2. تذبذب الثقة بالحليف الأمريكي، وهو ما انعكس في الجولات والزيارات المكوكية التي قام بها ولي العهد السعودي إلى عواصم المنطقة (كالقاهرة وغيرها) للبحث عن بدائل وضمانات أمنية وإقليمية ذاتية.
3. تصاعد المبادرات الإقليمية؛ حيث تجددت الدعوات الإيرانية لتشكيل تحالفات إقليمية محضة تضم الدول المتشاطئة على الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب لتأمين الملاحة بمعزل عن التدخلات الأجنبية.
أدركت واشنطن خطورة هذه التحركات، ولا سيما التفاهمات الحاصلة بين إيران وسلطنة عُمان لتأمين الملاحة وتوزيع المكاسب، فسارعت عبر الضغط والتأجيل إلى محاولة وضع العصا في عجلة هذه التفاهمات خشية اقتناع دول المنطقة بجدواها وانفلات زمام القيادة البحرية من يد الأسطول الخامس.
الانقسام الغربي:
كندا والاتحاد الأوروبي وتصدع النسيج الأطلسي ولم تقتصر ارتدادات هذا الزلزال على الشرق الأوسط؛ ففي الطرف الآخر من العالم، أبدى الحليف الاستراتيجي الشمالي للولايات المتحدة (كندا) رغبة جادة في التحلل من قيود الأحادية الأمريكية والتوجه نحو أوروبا.
وجاء رد الفعل الأوروبي مرحباً بهذه الخطوة عبر مقترحات نُوقشت في أروقة الاتحاد الأوروبي ترحب بكندا كـ"عضو مشارك"، في إشارة واضحة إلى البحث عن تكتلات أمنية واقتصادية جديدة تحمي الدول من شطحات وتقلبات البيت الأبيض.
وفي الشرق الأقصى، تطالع بكين وموسكو هذه التطورات بارتياح استراتيجي بالغ؛ إذ ترصُدان في انكسارات واشنطن في الشرق الأوسط وتصدع تحالفاتها الأطلسية إرهاصات جليّة لولادة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب. نظام يضع حداً لـ "الأنا" الكونية المتغطرسة، ويخلق توازنات جديدة تضمن المصالح المشتركة بعيداً عن مظلة الاستعمار المالي والعسكري الحديث. أسباب تداعي السياسة الأمريكية ودور ترامب في دورتيه الرئاسيتين إن هذا الهبوط المتسارع للقوة الهيمنية الأمريكية ليس وليد الحظ، بل هو نتيجة لعوامل هيكلية وسياسية تضافرت خلال العقود الأخيرة، وكان لدونالد ترامب (عبر دورتيه الرئاسيتين) الدور الأبرز في تسريع وتيرتها:
1. تقويض المؤسسية و"دبلوماسية التغريدة": في دورتيه الرئاسيتين، تعامل ترامب مع السياسة الخارجية بمنطق المنشأة التجارية والشخصنة، مهمشاً المؤسسات التقليدية (وزارة الخارجية، الكونغرس، ومؤسسات الأمن القومي)، مما جعل التزامات أمريكا الدولية تقبل للإلغاء بـ"جرة قلم" أو "تغريدة".
2. ابتزاز الحلفاء وتآكل الثقة (عقيدة "أمريكا أولاً"): تحويل التحالفات التاريخية (مثل الناتو، وحلفاء الخليج) إلى علاقات تجارية قائمة على مدفوعات "الحماية"، أفقَد الحلفاء الشعور بالأمان الاستراتيجي، ودفَعهم للبحث عن سياسات تنويع الخيارات والتحوط الاستراتيجي مع الصين وروسيا.
3. السلاح الاقتصادي المفرط (العقوبات والدولار): أدى الإسراف في استخدام العقوبات الاقتصادية وتسييس ناظم "سويفت" المالي إلى تشجيع دول العالم (مجموعة بريكس، إيران، الصين) على ابتكار آليات مالية بديلة والتخلي التدريجي عن الدولار، مما أضعف أدوات الهيمنة الأمريكية غير العسكرية.
4. الفجوة بين القوة العسكرية والنتائج السياسية: أثبتت أزمات الشرق الأوسط أن السلاح المتقدم لا يعني بالضرورة حسم المعارك؛ حيث استطاعت القوى الإقليمية الفاعلة استخدام أسلحة غير متماثلة وتكنولوجيا منخفضة التكلفة لمواجهة التكنولوجيا الأمريكية المرتفعة، ما كسر هيمنة الردع الأمريكي.
رؤية استشرافية: معالم النظام الدولي القادم بناءً على هذه المعطيات، يتجه المشهد الدولي نحو رسم خارطة جيوسياسية جديدة يمكن إيجاز معالمها في النقاط التالية: نهاية الأحادية القطبية: العصر الذي تقود فيه واشنطن العالم بشكل منفرد قد انتهى عملياً. نحن نلج مرحلة "التعددية القطبية والمرنة"، حيث تتوزع مراكز النفوذ بين واشنطن، بكين، وموسكو، إلى جانب صعود قوى إقليمية مؤثرة (مثل الهند، البرازيل، وتكتلات الشرق الأوسط).
إعادة تشكيل تحالفات البحر والمضائق: ستتحول مضائق الملاحة الدولية (باب المندب، هرمز، مالقا) من مناطق نفوذ حصرية للأسطول الأمريكي إلى مناطق توازنات محددة بمعاهدات وتفاهمات إقليمية تتشارك فيها القوى المتشاطئة مع شبكات أمان يضمنها التكتل الشرقي (الصين وروسيا).
الأمن الإقليمي الذاتي: ستتجه دول منطقة الشرق الأوسط وأوروبا بشكل أكبر نحو بناء منظومات أمنية ذاتية وتفاهمات بينية مباشرة (كما في التفاهمات السعودية الإيرانية، والوساطات العُمانية)، متجاوزة الوسيط الأمريكي الذي أثبت أنه يقتنص الأزمات بدلاً من حلها.
السيادة الاقتصادية وتنويع العملات: سيتسرع نظام "اللا-دولرة" في التجارة العالمية للنفط والسلع الأساسية، مما يعني تقليص قدرة واشنطن على فرض العقوبات أحادية الطرف.
وختاماً إن "الهبوط إلى القمة" ليس مجرد توصيف لسلوك إدارات واشنطن، بل هو البيان الأخير لإمبراطورية أرهقها الاستكبار، وظنت أن صفقات المال يمكن أن تبني نفوذاً دائماً دون الالتزام بالعهود الاستراتيجية. إن ما يشهده العالم اليوم من اضطراب في البحار والمضائق وتصدع في التحالفات، ليس سوى المخاض الطبيعي الذي يسبق ولادة نظام عالمي جديد؛ نظام أكثر توازناً، يضع حداً لعصر الهيمنة المطلقة، ويعيد للسيادة الوطنية والإقليمية وزنها المستحق.