06 Feb
06Feb


منتصر صباح الحسناوي


في أحد الحوارات التي جمعتني مؤخراً مع أحد ممثلي المراكز الدينية المهتمة بتراث شخصيات مدينة الكاظمية، دار الحديث  حول الرموز التي شكّلت الذاكرة الثقافية للمدينة. 

كانت الأسماء تتوالى بوصفها امتداداً لهوية المكان، حتى توقفت عند غياب اسم علي الوردي من هذا السرد. سألت عن السبب، فجاء الجواب هادئاً وحاسماً: بعض أفكاره مسيئة للدين.


ذلك الجواب فتح باب سؤال أكثر عمقاً: كيف تختار المدن الدينية رموزها الثقافية؟ وهل الذاكرة الجمعية تُبنى على الحفظ فقط أم على الانتقاء أيضاً؟


المدن التي تتشكّل حول مركز ديني روحي تبني حوله سردية عن ذاتها تمنح المدينة استقرارها الرمزي، لكنها في الوقت نفسه ترسم حدوداً غير مرئية لما يمكن أن يُعدّ تمثيلاً مشروعاً لهويتها. وفي هذه المساحة تحديداً يظهر التوتر بين الفكر الذي يصف المدينة كما تريد أن ترى نفسها، والفكر الذي يحاول أن يقرأها كما هي.


الكاظمية مدينة صنعت حضورها الوجداني عبر مركز روحي تمثّل بالمرقد الكاظمي الذي شكّل محور هويتها الثقافية، غير أنّ الحياة داخلها لم تكن محكومة بهذا البعد وحده، فقد تشكّلت فيها شبكة اجتماعية معقدة عبر الأسواق بتنوعها، والمجالس الدينية والثقافية، وحركة الزائرين بمختلف بيئاتهم، ما جعلها فضاءً تتداخل فيه القداسة مع تفاصيل الحياة اليومية. 

ضمن هذا التداخل وبين درابينها الضيقة، نشأ علي الوردي ، الذي تعامل مع هذا التراكم الاجتماعي كظاهرة اجتماعية تتشكّل داخل تفاعل القيّم الدينية مع الواقع الإنساني، ولعلّ ذلك كان رصيداً حاول من خلاله تفسير سياق السلوك الاجتماعي، ليبدأ التوتر. 

فالمقدّس عندما يتحول إلى موضوع للدراسة الاجتماعية لا يُقرأ فقط كقيمة روحية، وإنما بوصفه قوة تشكّل أنماط التفكير والسلوك داخل المجتمع.


وبعيداً عن إشكالية أو جدلية صحة المنهج الذي تبنّاه الوردي أو خطئه، فإنّ الأهمية هنا تكمن في أثره على صورة المكان.

 فالمدن الدينية تميل بطبيعتها إلى حماية سرديتها الرمزية من القراءات التي تكشف تناقضاتها الاجتماعية، لأنّ هذه السردية تمثل تاريخ المدينة وشعور الانتماء إليها الذي يمنحها استقرارها الثقافي.

من هنا يصبح المفكر الذي يقرأ مجتمعه من الداخل حالة معقدة. 

فالنقد القادم من خارج البيئة يمكن التعامل معه كرأي أو موقف، أما النقد الذي يولد من داخل التجربة نفسها فيحمل سلطة مختلفة، لأنه يستند إلى معرفة حميمة بالمكان، وهذا النوع من المعرفة يُزعج لأنه معارض وأيضاً لأنه يكشف ما أعتادت الذاكرة الجمعية أن تتجاوزه.


غياب الوردي عن بعض سرديات الكاظمية يكشف آلية عمل الذاكرة الثقافية في المدن الدينية كنظام يعيد ترتيب التاريخ بما يحافظ على تماسك هويتها الدينية والابتعاد عن ما يوتر ذلك التماسك لا أن يُلغى بالضرورة، لكنه غالباً يُدفع إلى هامش السرد الثقافي.


المفارقة أن المدن التي تقبل النقد الداخلي تثبت ثقتها بذاتها، أما المدينة التي تخشى أبناءها النقديين، فإنها تحاول حماية صورة مستقرة على حساب حيويتها. 

فالفكر النقدي يظهر عادة في المجتمعات التي تحمل تناقضات داخلية تسمح بظهور أسئلة جديدة حول الذات والهوية.


هنا تكشف تجربة الوردي أن الانتماء إلى المكان لا يتجسد دائماً في تمثيل صورته المستقرة، بل قد يظهر في محاولة تفسير تحوّلاته. 

فقد حمل معه ذاكرة الكاظمية الشعبية وحوّلها مفاتيح فكرية لمشروعه  الذي حاول من خلاله تفسير التوتر الذي يعيشه المجتمع العراقي بين المثال الذي يسعى إليه والواقع الذي يفرض شروطه.


 إنّ إدراج الوردي ضمن هوية المدينة لا يعني تبني أطروحاته، بقدر ما هو دلالة على انّ المدن الحيّة لا تُعرّف فقط بما تحفظه من رموز، بل بما تنتجه من أسئلة أيضاً.

أما المدن التي تكتفي بسردية واحدة عن ذاتها قد تحافظ على استقرار صورتها، لكنها تخاطر بفقدان قدرتها على قراءة تحوّلاتها.


ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى علي الوردي بوصفه أحد أبناء الكاظمية الذين لم يكتفوا بالانتماء إلى المكان، بل حاولوا أن يجعلوا منه موضوعاً للفهم، وهو شكل آخر من أشكال الانتماء لا يقل عمقاً عن الانتماء الرمزي الذي تمنحه الذاكرة الروحية للمدن.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن