تم إعداد هذا المقال للنشر بناءً على كلمة سعادة الدكتور نجفي، السفير والممثل الدائم للجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى المستقرة في فيينا، والتي ألقاها في اجتماع دولي.
..........................................................
انتهكت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، في سياق اعتداءاتهما خلال عامي 2025 و2026، جميع المبادئ والقواعد ذات الصلة في القانون الدولي على نحو ملموس وصارخ، وارتكبا ثلاث جرائم من الجرائم الأربع الأشد خطورة، والتي تشكل موضع قلق بالغ للمجتمع الدولي، وهي: جريمة العدوان، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية.
وتحت ذريعة معالجة المخاوف المزعومة بشأن الأسلحة النووية، تعرضت إيران خلال العام الماضي لجولتين من الهجمات، استهدفت خلالهما بنى تحتية مدنية حيوية، من بينها شبكات الكهرباء، ومنشآت الصلب والبتروكيماويات، و322 مركزا علاجيا وطبيا، و130 متحفا ومعلما تاريخيا، و55 مكتبة، و762 مدرسة ومؤسسة تعليمية، فضلا عن أكثر من 80 ألف وحدة سكنية.
وإلى جانب ذلك، قاموا باغتيال قائد الثورة وعدد من كبار المسؤولين، واستشهد، على أيديهم وبصورة وحشية، أكثر من 4468 من المدنيين. وليس سوى مثال واحد على ذلك، المجزرة الجماعية المتعمدة التي أودت بحياة 168 طفلا بريئا تتراوح أعمارهم بين 7 و12 عاما، في هجوم ثلاثي المراحل على مدرسة الشجرة الطيبة الابتدائية للبنات في ميناب، في اليوم الأول من عدوانهم الثاني.
والنقطة المهمة أن استشهاد قائدنا الأعلى كان فعلا شنيعا وغير مسبوق، وجرأة لا نظير لها في تاريخ الإسلام والتشيع، إذ استشهد مرجع عظيم القدر على نحو جبان على يد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
واستنادا إلى هذه الرواية الكاذبة التي تزعم أن إيران تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، استهدفوا في اعتداءات عامي 2025 و2026 عددا من المنشآت النووية والإشعاعية التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وقد تركزت الهجمات على أربعة مواقع رئيسية: الموقع الذي تعرض لأكبر عدد من الهجمات كان منشأة نطنز النووية بست هجمات، تلتها محطة بوشهر النووية بأربع هجمات، ثم موقع أصفهان النووي بأربع موجات من الهجوم على الأقل، ثم منشأة فوردو لتخصيب الوقود.
وقد تم إبلاغ الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتفاصيل الدقيقة لجميع هذه الهجمات. كما اغتالوا بوحشية 14 من علمائنا الجامعيين، بل مع عائلاتهم أيضا؛ ففي حالة واحدة فقط، اغتيل عالم مع 17 فردا من أفراد عائلته الممتدة.
وقد حدث ذلك في وقت كانت فيه سلطات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنذ أكثر من عام، قد نقلت عبر قنوات مختلفة إلى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية مخاوفها وتحذيراتها الجادة، ومفادها أن التهديد بشن هجمات على المنشآت النووية الإيرانية بات وشيكا، استنادا إلى المعلومات والشواهد المتاحة. ولم تكن إيران تتوقع من المدير العام أن يكون قادرا على منع وقوع مثل هذه الهجمات.
غير أن التوقع المعقول والمهني كان أن تتعامل الوكالة مع هذه التحذيرات بالجدية التي تستحقها، وأن تنهض بواجباتها من خلال اتخاذ مواقف صريحة وشفافة ومبدئية في معارضة التهديدات أو الهجمات ضد المنشآت النووية الخاضعة للضمانات.
وكان من المتوقع كذلك تجنب المواقف الملتبسة تجاه البرنامج النووي الإيراني، وتجنب إدراج بعض الإشارات السلبية أو غير المتوازنة في تقارير الوكالة، بما قد يسهم في زيادة التوترات، وذلك لضمان التعبير عن موقف الوكالة بصورة دقيقة ومهنية ومحايدة ومنصفة.
وقد حذرت الجمهورية الإسلامية، في مراسلات متعددة مع الوكالة، بصورة صريحة، من أن الكيان الإسرائيلي، استنادا إلى الشواهد والمعلومات المتوافرة، كان يستعد لشن هجمات على المنشآت النووية الإيرانية.
وهذا يبين بوضوح أن إيران كانت قد نقلت رسميا مخاوفها وتحذيراتها إلى الوكالة قبل الهجمات بمدة طويلة، وأعربت عن توقعها المشروع بأن يتم التعامل مع هذه التحذيرات بأعلى درجات الجدية، والشعور بالمسؤولية، والمهنية.
وبصورة منفصلة، كنا قد حذرنا مرارا الأطراف الغربية، بما في ذلك الدول الأوروبية الثلاث، من أن نهجها التخريبي تجاه البرنامج النووي السلمي الإيراني، ولا سيما ضغطها على المدير العام للوكالة من أجل تقديم ما يسمى بالتقرير الشامل، تمهيدا لتهيئة الأجواء باتجاه اتهام إيران اتهاما لا أساس له بـ«عدم الامتثال»، ينطوي على خطر تغيير المسار الأساسي للتطورات ودفع الوضع نحو المواجهة. ومن خلال تجاهل هذه التحذيرات، اختارت الدول الأوروبية الثلاث، للأسف، أن تسهل المضي قدما في أهداف الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي.
وكان ذلك نهجا غير حكيم وسوء تقدير استراتيجيا، في وقت كان الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الثلاث في يوم من الأيام في طليعة الانخراط الدبلوماسي بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وقد أثبت الهجوم غير القانوني على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو 2025، والذي وقع مباشرة بعد صدور التقرير الشامل للمدير العام واعتماد مجلس المحافظين القرار المقترح من الدول الأوروبية الثلاث والولايات المتحدة، والذي اتهم إيران بعدم الامتثال، أن تحليلات إيران وتحذيراتها كانت دقيقة.
وأثبتت الهجمات المتكررة التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، بصورة إضافية، أن تقييم إيران بشأن استمرار التهديدات الملموسة والمتواصلة كان صحيحا ودقيقا.
غير أن مجلس المحافظين، للأسف، لم يفعل شيئا، ورفض المدير العام مخاوف إيران، ووصفها بأنها مجرد «تهديد ذهني/تصوري» لدى إيران.
وكان الهدف الواضح من هذا التسلسل المخطط للأحداث من قبل الدول الأوروبية الثلاث والولايات المتحدة هو التضليل، وإحداث البلبلة الذهنية، وتقويض الثقة بالواقع، بغية خلق تنافر إدراكي، ومن ثم توفير غطاء سياسي للمعتدين.
وفي الوقت نفسه، لا بد من التأكيد أن هذا التسلسل من الأحداث لا يعني بأي حال من الأحوال أن تقرير المدير العام قد وفر أي تبرير قانوني أو فني للهجمات ضد المنشآت النووية الإيرانية الخاضعة للضمانات.
إن أي ادعاء من هذا القبيل سيكون عاريا تماما عن الأساس. فلا يمكن لأي من نتائج التقرير أو مضامينه، تحت أي تفسير للقانون الدولي أو ممارسة الضمانات، أن يبرر الهجوم على منشآت نووية خاضعة للضمانات.
ومع ذلك، فقد استغل المعتدون الأجواء السياسية التي أوجدت لأغراضهم الدعائية والسياسية. وفوق اللعب الفعال في ملعب المعتدين، كانت الضربة الكبيرة الأخرى التي أصابت مصداقية الوكالة نتيجة طلب التقرير الشامل، هي أن قرار مجلس المحافظين ألزم المدير العام، عمليا، بأن يتجاوز «التقييم النهائي» الصادر عن الوكالة عام 2015 بشأن امتثال الجمهورية الإسلامية الإيرانية لالتزاماتها النووية، أو أن يضعفه على الأقل، وأن يعيد في تقريره الشامل طرح مسائل كانت الوكالة نفسها قد أعلنت إغلاقها في تقييمها النهائي لعام 2015.
وهذا يبين عمليا أن مجلس المحافظين وضع جانبا التقييمات الفنية النهائية للوكالة، ودفع قدما بالأجندة السياسية لبعض الدول الأعضاء.
وفي مثل هذا المناخ، وعلى خلفية هذه السوابق، باتت أكثر وضوحا مراوغة الطرف المقابل وانعدام صدقه في أي حديث عن معالجة مخاوف المجتمع الدولي حيال البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
فعلى الرغم من جهود الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتعاونها مع المؤسسات الدولية المعتبرة في هذا المجال، تحول الأمر لدى الطرف الآخر إلى مجرد متابعة للأطماع والمصالح والتعليمات السياسية للكيان الصهيوني.
وقبل تناول التطورات التي أعقبت الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية، يجدر بنا أن نلقي نظرة موجزة على جذور البرنامج النووي الإيراني. فالولايات المتحدة، التي تزعم اليوم أنه ينبغي حرمان إيران من الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، كانت عندما كان تابعها في إيران يتولى السلطة، تدعم بالكامل تطوير البرنامج النووي الإيراني.
وقدمت الولايات المتحدة إلى إيران مفاعل طهران البحثي، الذي كان يعمل باليورانيوم عالي التخصيب. ومع ذلك، وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، علقت الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا جميع أشكال تعاونها النووي مع إيران، بل منعت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي تعاون دول أخرى مع إيران، بما في ذلك التعاون الهادف إلى استكمال محطة بوشهر النووية.
وقد حدثت هذه العرقلة حتى بعد أن وافقت روسيا على استكمال محطة بوشهر، وفي حين كان معهد ستانفورد للأبحاث، ومقره الولايات المتحدة، قد خلص عام 1974 إلى أن إيران، من أجل تلبية نموها الصناعي المتوقع، تحتاج إلى بناء شبكة واسعة من المحطات النووية بطاقة تتراوح بين 20 ألفا و23 ألف ميغاواط من الكهرباء بحلول أوائل تسعينيات القرن الماضي.
وزعمت الولايات المتحدة أن إيران، نظرا إلى احتياطاتها الواسعة من النفط والغاز، لا تحتاج إلى الطاقة النووية لتوليد الكهرباء! إن تلك الحجج تشبه، بصورة لافتة، بعض الروايات المطروحة اليوم بشأن المواد النووية المخصبة حتى مستوى 60 في المئة. وكانت الذرائع هي نفسها: إنها «غير ضرورية» و«قد تكون غير سلمية»! ومنذ مارس 2000، أي قبل ثلاث سنوات من نظر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في البرنامج النووي الإيراني، أقرت الولايات المتحدة «قانون عدم انتشار إيران لعام 2000»، وفرضت، في إطار تنفيذه، قيودا واسعة وعقوبات ثانوية على البرنامج النووي الإيراني والصناعات المرتبطة به، وكذلك على مؤسسات وأفراد من إيران ومن دول أخرى.
وينبغي تقييم جميع التطورات اللاحقة في الملف النووي الإيراني في إطار هذا النهج السياسي الأوسع للولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن عقوبات الولايات المتحدة وقيودها اضطرت إيران إلى متابعة تعاونها ومشاريعها النووية السلمية بأقصى درجات الحذر، ومع مراعاة الاعتبارات الأمنية والعملياتية، من أجل تقليل مخاطر التخريب، والضغط السياسي، أو التدخل الخارجي، مع التزامها الصارم بتعهداتها بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي. وقد أثر هذا الوضع أيضا في مسار بناء بعض المنشآت النووية وفي توقيت الإعلان عنها للوكالة.
وفي هذا السياق، عندما أثيرت في عام 2003 ضجة بشأن بناء إحدى المنشآت الإيرانية، أقر المدير العام للوكالة في ذلك الوقت بهذه الظروف، وأشار صراحة إلى أن ما يسمى بتأخر إيران في الإعلان عن بعض الأنشطة والمنشآت النووية كان ناشئا عن الاعتبارات الأمنية، ومناخ التهديد، والعقوبات، لا أنه يدل بالضرورة على انحراف عن النية السلمية.
وهذا يبين أن البرنامج النووي الإيراني لا يمكن تقييمه بمعزل عن الآثار المباشرة والممتدة لعقود من الضغوط، والتعطيل، والتهديدات، وأعمال التخريب، والهجمات السيبرانية، والاغتيالات، والعقوبات. وقد اتبع المدير العام للوكالة، في البداية، نهجا بناء نسبيا، وفنيا ومتوازنا، تجاه الملف النووي الإيراني، وكان يسعى إلى حل الأسئلة المتبقية من خلال الحوار والتعاون. غير أنه، وبمرور الوقت، وتحت الضغط المستمر من بعض الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، تأثرت لهجة تقارير الوكالة وإطارها على نحو متزايد بالاعتبارات السياسية.
ففي عام 2003، وتحت الضغط الأمريكي المستمر، طلب مجلس المحافظين، في قرار له، من إيران تعليق جميع الأنشطة المرتبطة بالتخصيب! ولكن لماذا؟ هل كان ذلك مستندا إلى أي «عدم امتثال» مثبت من جانب إيران؟ كلا! لقد كان ذلك فقط بسبب ادعاء «التأخر في الإبلاغ»! وهذا بدوره كان ناشئا عن اختلاف في التفسير بين إيران والوكالة بشأن نطاق وطرائق تنفيذ الالتزامات الضمانية في ذلك السياق. إن هذه التجربة، وغيرها من التجارب، تبين أن الضغط من أجل تعليق برنامج التخصيب الإيراني أو تقييده ليس ظاهرة جديدة، ولا يقتصر على التطورات الأخيرة، بل جرى اتباعه خلال العقدين الماضيين بوصفه جزءا من نهج سياسي منسجم ومستمر.
وعلى الرغم من النهج السياسي والتصادمي والتخريبي المستمر للولايات المتحدة، اتخذت إيران، في مراحل مختلفة، إجراءات واسعة لبناء الثقة تجاوزت التزاماتها الضمانية، بل تجاوزت حتى متطلبات البروتوكول الإضافي.
وشملت هذه الإجراءات، من بين أمور أخرى، قبول تعاون أوسع، وإتاحة وصول أكبر، وتنفيذ طائفة من التدابير الطوعية المعززة للشفافية من جانب إيران. ومع ذلك، لم تقابل أي من إجراءات بناء الثقة الإيرانية بحسن نية متبادل، بل أدت إلى مزيد من المطالب القصوى، والضغوط السياسية، وفرض المزيد من العقوبات، واتخاذ إجراءات تخريبية من جانب الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث.
وتثير هذه التجربة سؤالا أساسيا: إلى أي مدى، وإلى متى، يتوقع من إيران أن تواصل تنفيذ إجراءات بناء الثقة، في حين تبقى الضغوط، والعقوبات، والتهديدات، وأعمال التخريب، والاغتيالات، والهجمات السيبرانية، بل حتى الهجمات العسكرية، قائمة بالتوازي معها؟ ولمزيد من الوضوح، دعوني أشير إلى نماذج محددة. ففي سبتمبر 2003، وقعت إيران البروتوكول الإضافي.
وبعد ذلك، في ديسمبر 2003، وعملا بقرار مجلس محافظي الوكالة، أبلغت إيران الوكالة بأنها تعتزم تعليق الأنشطة ذات الصلة. وعلاوة على ذلك، في فبراير 2004، أبلغت إيران الوكالة رسميا بأنها تعتزم توسيع نطاق هذا التعليق.
ومرة أخرى، جرت الاستجابة لإجراءات بناء الثقة والتعاون والمرونة التي أبدتها إيران، في يونيو 2004، بقرار من مجلس المحافظين يطالب بالمزيد من الإجراءات! وفي معظم الحالات الأخرى تقريبا، اعتمد مجلس المحافظين قرارات متعددة، ووصف إجراءات بناء الثقة والتعاون الإيرانية بأنها غير كافية، أو بأنها لا تلبي المستوى الضماني المطلوب! وفي مثل هذا المناخ، خلصت إيران إلى أن استمرار هذا المسار لا يبني الثقة، ولا يصون حقوق إيران ومصالحها المشروعة، ولذلك قررت تغيير هذا المسار وإنهاء التعليق.
وفي 2 أغسطس 2005، أعرب وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث، إلى جانب الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي، في رسالة مشتركة، عن «قلقهم العميق» إزاء قرار إيران إنهاء التعليق، وأضافوا أن إيران لا تملك أي حاجة عملية إلى إنتاج الوقود النووي داخل البلاد! لقد حددوا رسميا «احتياجاتنا» الداخلية! وهذا السلوك المتعالي يذكرني بتصريح ذلك المسؤول الغربي الذي قال لمجموعة من طلاب الدول النامية إن «النظام الدولي القائم على القواعد» يعني أننا نحن نضع القواعد ونأمركم! وحين سئل: وماذا عنكم أنتم؟ أجاب: نحن نملك القوة، وأنتم تملكون الحق. ولذلك نستطيع نحن أن نحكم، وعليكم أن تكونوا محكومين! وفي السنوات اللاحقة، استمر هذا النهج الأمريكي ونهج الدول الأوروبية الثلاث من دون تغييرات ذات معنى، حتى بعد إبرام خطة العمل الشاملة المشتركة وتنفيذها، وهي الخطة التي قبلت إيران في إطارها التزامات تتجاوز بكثير اتفاق الضمانات الشاملة والبروتوكول الإضافي.
وعلى الرغم من أن خطة العمل الشاملة المشتركة حظيت بترحيب واسع بوصفها إنجازا دبلوماسيا كبيرا تحقق بشق الأنفس، وأيدها مجلس الأمن بالإجماع، وأكدت الوكالة، في 16 تقريرا متتاليا، امتثال إيران الكامل لجميع التزاماتها النووية في إطارها، فإن الولايات المتحدة، في 8 مايو 2018، وفي الولاية الأولى لرئيسها الحالي، انسحبت منها بصورة أحادية وغير قانونية، وأعادت فرض عقوباتها الأحادية على إيران، وهددت علنا الدول الأخرى إما بعدم تنفيذ التزاماتها القانونية الصريحة بموجب قرار مجلس الأمن 2231، وإما مواجهة العقاب! وفي هذا السياق، ينبغي الالتفات إلى المستوى الاستثنائي المرتفع لأنشطة التحقق التي نفذتها الوكالة في إيران، وكذلك إلى المستوى العالي من تعاون إيران مع الوكالة قبل اعتداءات يونيو 2025.
ووفقا لتقرير تنفيذ الضمانات الصادر عن الوكالة قبل الاعتداءات، SIR 2024، فقد جرى تنفيذ أكثر من 72 في المئة من أنشطة التحقق التي تقوم بها الوكالة في الدول التي لديها اتفاق ضمانات شاملة نافذ، ولكن من دون بروتوكول إضافي، خلال عام 2024، في إيران وحدها، وقد استهلك ذلك أكثر من 56 في المئة، أي 22 مليون يورو من أصل 39 مليون يورو، من الميزانية السنوية للتحقق لدى الوكالة.
وكذلك، وكما أعلن نائب المدير العام لشؤون الضمانات في الإحاطة الفنية في 3 يونيو 2025، كان خمس مجموع أنشطة التحقق التي تقوم بها الوكالة يجري في إيران، وهي دولة لا تملك سوى 3 في المئة من المنشآت النووية في العالم. وفي عام 2024، تم تسجيل ما مجموعه 3441 شخصا-يوما لحضور مفتشي وخبراء الضمانات التابعين للوكالة في إيران، أي ما يقارب يوميا 9 مفتشين وخبراء ضمانات من الوكالة في إيران، وهو ما يدل على نمط مستمر ومنهجي وواسع النطاق في تنفيذ أنشطة الضمانات للوكالة في إيران عام 2024 وقبل الهجمات. ومع ذلك، ورغم أن بيانات الوكالة تظهر أن البرنامج النووي الإيراني كان دائما خاضعا لأوسع مستويات التحقق والرقابة وأكثرها سابقة، وهو ما يدل في ذاته على مستوى غير مسبوق من تعاون إيران، فإن ذلك لم يؤد إلى بناء الثقة، ولم يمنع الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية.
وتجدر الإشارة إلى أن إحصاءات الوكالة بعد هجمات عام 2025 تبين التعاون الكامل لإيران مع الوكالة في تفتيش المواقع النووية غير المتضررة. غير أننا، فيما يتعلق بالمواقع التي تعرضت للهجوم، طرحنا عددا من الاعتبارات الجادة:
أولا، إن الهجمات أدت إلى اختلال خطير في الأسس القانونية والفنية والعملياتية اللازمة للتنفيذ العادي للضمانات في هذه المواقع، وبناء على ذلك، فإن أي تنفيذ للضمانات في تلك المواقع من دون أخذ الظروف الاستثنائية وغير المسبوقة القائمة في الاعتبار، أمر غير ممكن.
ثانيا، إن عدة هجمات عسكرية على منشآت نووية عاملة تحتوي على مواد نووية، بهذا الحجم وهذا النطاق، تمثل حدثا غير مسبوق لم تواجهه الوكالة قط في تاريخها؛ ومن ثم لا توجد أي إرشادات ضماناتية مستقرة أو معيارية أو محددة سلفا للتعامل مع مثل هذه الظروف الخاصة.
ثالثا، ما لم يستقر الوضع الأمني، بما في ذلك تقديم ضمانات عينية ضد تكرار مثل هذه الاعتداءات، وكذلك وضع السلامة، بما يشمل الوصول الآمن إلى المنشآت المتضررة والقدرة على تقييم وضعها الفني، فإن أي توقع لتنفيذ عادي للضمانات في المواقع المتضررة يفتقر إلى أساس قانوني وفني وعملياتي.
ومع ذلك، تجاهلت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث هذه الظروف الاستثنائية، وتصرفت كما لو أن أي هجوم لم يقع، وكأن الظروف ما زالت عادية تماما، وبناء على ذلك طالبت إيران بأن تتيح للوكالة وصولا فوريا إلى هذه المواقع المتضررة. وإضافة إلى ذلك، وحتى حين تفاعلت إيران من أجل تهيئة الشروط اللازمة للمضي في تفاهم سياسي مع المدير العام، وهو ما أفضى إلى إبرام «تفاهم القاهرة» في 9 سبتمبر 2025، قررت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث تفعيل الآلية المسماة «سناب باك» أو عودة العقوبات بصورة غير قانونية. وواصلت هذه الأطراف مسارها التخريبي من خلال تقديم مشروع قرار استفزازي آخر إلى مجلس محافظي الوكالة في نوفمبر 2025. وقد جعلت هذه الإجراءات، عمليا، تفاهم القاهرة باطلا وفاقدا للأهمية العملية. ولاحقا، في فبراير 2026، نفذت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي عدوانهما الثاني، واستهدفا مجددا عددا من المنشآت النووية الإيرانية الخاضعة للضمانات، وأثبتا صحة ووجاهة تقييم إيران بشأن وجود تهديد ملموس ومستمر ضد المنشآت النووية في مرحلة ما بعد هجوم يونيو.
والآن، تثير الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث مخاوف بشأن «احتمال انحراف المواد النووية»، و«عجز الوكالة عن استخلاص استنتاجات الضمانات»، و«فقدان استمرارية معرفة الوكالة»، من دون أن تشير حتى تلميحا إلى جذر الوضع الراهن: اعتداءات الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي.
ومرة أخرى، الهدف هو نفسه: خلق تنافر إدراكي وبلبلة ذهنية بغرض ممارسة مزيد من الضغط السياسي على إيران. غير أنه، كما أوضحت سابقا، ما لم تتم تهيئة الوضع القائم على المستويات القانونية والفنية والعملياتية بصورة صحيحة، فلن يكون هناك أي أفق للتفتيش في المواقع النووية المتضررة.
واستنادا إلى إحصاءات الوكالة، أظهرت إيران في مراحل مختلفة مستوى ملحوظا من التعاون مع الوكالة، ونفذت في فترات معينة إجراءات طوعية تتجاوز بكثير التزاماتها الضمانية، بل وحتى متطلبات البروتوكول الإضافي، بما في ذلك في إطار خطة العمل الشاملة المشتركة.
والأهم من ذلك أنه، في حين أن السبب الفني الوحيد لأي قلق مشروع بشأن الانتشار هو «انحراف المواد النووية» عن الأغراض السلمية، فإن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تبلغ، حتى اليوم، عن انحراف غرام واحد من المواد النووية في إيران. دعوني أكرر: حتى اليوم، لم تبلغ الوكالة قط عن انحراف غرام واحد من المواد النووية في إيران.
والآن يطرح سؤال أساسي نفسه: إذا كانت أوسع عمليات التفتيش في تاريخ الوكالة قد نفذت في بلد واحد، وبعد ما يقارب 25 عاما لا يوجد أي دليل على انحراف حتى غرام واحد من المواد النووية، فلماذا كل هذه الضجة، وعمليات التفتيش، والتقارير، والاجتماعات، والبيانات، والقرارات، والادعاءات المسماة عدم امتثال؟ لقد اتضح اليوم تماما أنه جرى إساءة استخدام القلق المشروع لمؤسسة فنية دولية بشأن الانتشار، وأن الأطراف الغربية، عبر تفسير تعسفي وغير مشروع لأسس القانون الدولي والمعايير الفنية، وبنوايا غير سليمة وغير بناءة، لا تستخدم هذا الملف إلا من أجل خلق أزمة يكون هدفها النهائي تحقيق أهداف جيوسياسية أخرى. لم تسع إيران قط إلى امتلاك أسلحة نووية. ولو كان الأمر خلاف ذلك، ولو كانت إيران تعتزم تطوير مثل هذه الأسلحة، لكان مسار التطورات قد اتخذ شكلا مختلفا تماما. إن الفتوى الصادرة عن قائدنا الشهيد بتحريم الأسلحة النووية، وكذلك العقيدة الدفاعية الإيرانية، لم تسمحا، ولا تزالان لا تسمحان، بإنتاج مثل هذه الأسلحة أو حيازتها.
وبغض النظر عن ذلك، فقد فرضت الحرب علينا، وخرجت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منها مرفوعة الرأس، وتجري الآن مفاوضات.
وفي هذه المفاوضات، تنتزع الجمهورية الإسلامية الإيرانية حقوقها لا بالحوار وحده، بل بالاتكاء على التماسك الوطني، والوحدة العسكرية، وصواريخها، ولا تفعل في المفاوضات سوى إفهام الطرف الآخر بهذه الحقوق.
ولا تضع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في هذه المحادثات أي ثقة في الضمانات والكلمات، بل تجعل معيار العمل هو سلوك الطرف المقابل وحده، ولن تقدم على أي خطوة قبل تحقق ذلك.
وهذا النهج وهذه الاستراتيجية التي تعتمدها الجمهورية الإسلامية يستندان إلى تجربة سنوات طويلة من المفاوضات، وإلى تطورات العقود الثلاثة الماضية في التعامل مع ما يسمى معالجة مخاوف المجتمع الدولي إزاء الاتهامات الواهية الصادرة عن الأطراف الأخرى، ولا سيما الكيان الصهيوني المشؤوم. ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ إن شاء الله.