حنان الكناني - بعداد /العراق
قبل الشروع بالحديث عن ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع قضايا الأمة العربية والإسلامية من قبل دول العالم الأول، كما تحب أن تُسمّى، من جهة، والدول العربية والإسلامية من جهة أخرى، عليّ أن أعرّج أولاً على جبهة البوليساريو، ولماذا تكون المعايير مزدوجة عند الحديث عنها.
فالبوليساريو كلمة إسبانية، وهي اختصار لما يُسمّى بالجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب في منطقة الصحراء الغربية من الاحتلال الإسباني. تأسست الجبهة على يد الولي مصطفى السيد ومجموعة من الطلبة، وكانت حركة مسلحة ضد الاحتلال الإسباني لمنطقة الصحراء الغربية، التي كانت تُعرف بالصحراء الإسبانية سنة 1973، وكان كفاحها مسلحًا منذ لحظة تأسيسها، بعد أن وجدت أن النضال السلمي لا يؤتي ثماره في زحزحة المحتل من أرضهم.
عندما قُمعت مظاهرة سنة 1970 (انتفاضة الزملة)، أقتنع الكثيرون بأنّ العمل السلمي غير كافٍ، وهذا ما دفع الولي إلى تبني فكرة الكفاح المسلح بدل النضال السياسي فقط، حيث باشرت أول أعمالها في منطقة الخنكة ضد الاستعمار الإسباني، وتُصنّف كعملية مباغتة أُعلن فيها حالة التمرّد، وتحول الفكر السياسي إلى الفعل العسكري.
وكانت أول أهداف الجبهة إنهاء الوجود الإسباني، وتوحيد الشعب الصحراوي، إضافة إلى حق تقرير المصير للشعب الصحراوي، ورفض فكرة المملكة المغربية بالحكم الذاتي تحت رايتها.
والجدير بالذكر إنّ هذه الجبهة تأسست من أبنائها الصحراويين الذين حوّلوا غضبهم الشعبي إلى كفاح مسلح لتحرير أرضهم ،وتوحيد شعبهم تحت راية دولتهم، التي أُعلنت سنة 1976 باسم الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، برئاسة الولي مصطفى السيد، الذي قُتل خلال عمليات عسكرية، ومن ثم توالى على القيادة غيره، وصولاً إلى الرئيس الحالي السيد إبراهيم غالي، وهو أيضًا الأمين العام لجبهة البوليساريو.
وقد أدى انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية، ورفض الجبهة لمقررات أتفاقية مدريد 1975، إلى تبني الكفاح المسلح ضد المملكة المغربية، لحين أقرار قرار الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار سنة 1991.
وفي عام 2020، إنهار وقف إطلاق النار بعد توتر في منطقة الكركرات، وأعلنت البوليساريو العودة إلى العمل المسلح، وما تزال الاشتباكات محدودة ومتقطعة.
اللافت للنظر إنّ هذه “الدولة” الحديثة لا تحظى بعضوية الأمم المتحدة ،ولا باعتراف دوليٍّ واسع، وقد مُزّقت أراضيها بجدار رملي أُنشئ من قبل المملكة المغربية، ويمثل خط فصل ميداني للنزاع.
وتُثار اتهامات أو يُشار في بعض التحليلات إلى دعم خارجي من بعض الدول العربية، وتُظهر بعض المواقف الإقليمية تباينًا يُفسَّر أحيانًا بازدواجية المعايير، إذ تتّسم بدرجات متفاوتة من الحذر والتباين المرتبط باعتبارات سياسية واستراتيجية متشابكة، الأمر الذي ينعكس على غياب موقف موحد أو رؤية جماعية واضحة تجاه القضية الصحراوية أو القضايا الإقليمية.
ومن جهة، يُنظر إلى جبهة البوليساريو على أنّهم مرتزقة ومارقون ومجموعة جنرالات تدير مناطق محدودة شرق الجدار، ولو رجعنا قليلاً لوجدنا أن الجبهة تأسست من قبل أبنائها ولأبنائها. في حين إن تلك الدول العربية لا تؤيّد استقلالهم عن المملكة المغربية، لا سرًا ولا علنًا، كون ذلك يضرّ بعلاقاتها مع المغرب، متغافلة أو غير مهتمة بالوضع الإنساني الكارثي الذي يحيط بهم من النزوح والتهجير في مخيمات تندوف في الجزائر.
كما يحدث معنا في العراق، حيث يُصنّف الحشد الشعبي كميليشيات مسلحة على الرغم من أنّه كيانٌ مؤسساتي رسمي وقانوني فعال، كما وصفه وزير الخارجية السعودي، وهم أبناء الوطن وسوره الحصين الذي ذاد بالدم والنفس وكسر أجندات الدول ومكائدها المتربصة بوطننا العراق عبر ما يسمى بدولة داعش.
ولا يزال الحشد الشعبي، وهو أحد فصائل الجيش العراقي الباسل، يبذل الغالي والنفيس من أجل أن ينعم العراق بالأمن والأمان، مع الأخذ بالاعتبار التوصيف القانوني للحشد واختلافه عمّا سبق، إذ تختلف المعايير الدولية في الوصف القانوني لفصيل مسلح يعمل داخل دولة معترف بها دوليًا ضمن إطار الأمن الوطني.
وفي المقابل، توجد اتهامات أو تحليلات تشير إلى دعم غير مباشر لانفصال إقليم الأهواز عن إيران، ليس علنًا أو بشكل رسمي، ولكن من خلال التأييد المستمر، سواء بالدعم المالي أو غير المباشر أو بالتغطية الإعلامية، أو عبر كتّاب وسياسيين مؤدلجين يطرحون ذلك في مقالات متعدّدة.
ويظهر هذا الاختلاف في التناول بين حالات مختلفة في الإقليم، كما يُطرح في بعض الخطابات حول إقليم الأهواز أو حول بعض التشكيلات المسلحة داخل العراق، حيث يتغيّر الخطاب من سياق إلى آخر وفق طبيعة العلاقات والتحالفات السياسية.
هذا التباين لا يعكس بالضرورة اختلافًا في الجوهر بقدر ما يكشف عن وجود ازدواجية في المعايير في عملية التوصيف والتناول الإعلامي والسياسي للقضايا المتشابهة.
ويقع الإشكال في أن دولًا عربية وإسلامية لا تحل قضاياها عبر تبني الإنسانية كهدف أسمى من المصالح المتبادلة، ولا تسعى لطرح القضايا طرحًا واقعيًا يتناسب مع حجم الواقعة والسعي لإيجاد الحلول الناجعة، بل تنتهج سياسة المهاترات الكلامية والمناكفات التي لا تغني ولا تسمن من جوع.
ورغم أن الدول العربية تمتلك من الموارد والإمكانات المالية والعسكرية والاقتصادية والبشرية ما يؤهلها لتكون في مصاف الدول المتقدمة، إلا أن غياب الإرادة الحقيقية والإدارة الفاعلة لتلك المقدرات يعيق ذلك.
ولابد من التأكيد على حركة جبهة البوليساريو التي استمرّت قرابةَ خمسين عامًا في العمل السياسي والكفاح المسلّح، ولا تزال قائمة بذاتها وصامدة، حيث كبر الصغير وهرم الكبير.
ويرى أنصارها أن ذلك يعود إلى تمسكهم بحقّهم، إذ يرون أنّهم على حقّ كونهم أصحاب الأرض، الذين لا يُزحزحون عنها رغم قوافل الشهداء وعشرات المعتقلين وجراحات الصراع الدولي ومئات الأسر المشتّتة وآلاف اللاجئين في مخيمات النزوح، في ظل أوضاع إنسانية صعبة وغياب تأييد عربي أو إسلامي وضعف في التغطية الإعلامية، وربما محدودية التغطية الإعلامية لأسباب غير واضحة، بخلاف قضايا أخرى تحظى بزخم إعلامي واسع.
وقد أوضحت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود أن محدودية وصول الصحفيين إلى مناطق النزاع، إلى جانب القيود المرتبطة بالوضع الميداني، تسهم في تقليص تدفّق المعلومات المباشرة من أرض الواقع، مما ينعكس على مستوى الحضور الإعلامي الدولي للقضية.
وبالتالي، يمكن القول إن الإشكال لا يتمثل في “غياب كامل للتغطية الإعلامية”، بل في ضعف نسبي وعدم انتظام في الحضور الإعلامي الدولي، نتيجة تداخل العوامل السياسية والميدانية والإعلامية، مما يجعلنا أمام سؤال: كيف تُرتَّب الأولويات في الخطاب العربي الإسلامي الموجّه لشعوبه؟ وكذلك مسألة عدم الإنصاف في حق تقرير المصير للشعب الصحراوي، مما يؤدي إلى إطالة أمد المعاناة الإنسانية وتعقيد فرصة الوصول إلى حل شامل وناجع.
إنّ إثارة مسألة ازدواجية المعايير في هذا الملف لا تهدف إلى تبني موقف سياسي محدد بقدر ما تسعى إلى تسليط الضوء على الفجوة القائمة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية داخل النظام الدولي، حيث تتداخل الاعتبارات القانونية والسياسية بشكل يجعل تطبيق تلك المبادئ غير متوازن في كثير من الأحايين .