08 Apr
08Apr


بقلم: م.م. حيدر جاسب عريبي البهادلي


في خضم التحولات المتسارعة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، برزت سياسات دونالد ترامب بوصفها نموذجًا يعكس مفارقة واضحة بين ما يُعلن من أهداف تتعلق بالسلام، وما يُمارس فعليًا من سياسات أسهمت في تعقيد النزاعات القائمة.


فعلى الرغم من الترويج لمبادرات سياسية ذات طابع سلمي، فإن الواقع الميداني أظهر دعمًا صريحًا لـلكيان الغاصب  إسرائيل في عملياتها العسكرية، سواء في قطاع غزة أو في جنوب لبنان، إلى جانب تبني نهج تصعيدي تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى انسجام هذه السياسات مع قواعد القانون الدولي الإنساني.


أولاً: تعارض الخطاب السياسي مع الالتزامات القانونية
يقوم النظام الدولي على مبادئ أساسية، من بينها الالتزام بحسن النية في تنفيذ التعهدات الدولية، كما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة.

 غير أن التناقض بين الدعوة إلى السلام، ودعم العمليات العسكرية، يعكس فجوة بين الخطاب السياسي والممارسة العملية، ما يضعف الثقة في جدية هذه المبادرات.



ثانياً: الدعم العسكري وإشكالية المسؤولية الدولية
إن تقديم الدعم السياسي أو العسكري لطرف في نزاع مسلح لا يُعد مسألة محايدة قانونيًا، بل قد يرتب مسؤولية دولية، خاصة إذا ارتبط بانتهاكات لقواعد القانون الدولي الإنساني.
وفي هذا السياق:  

   •تلزم المادة (1) المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربع الدول باحترام الاتفاقيات وضمان احترامها.

     •كما تؤكد قواعد لجنة القانون الدولي أن تقديم المساعدة في فعل غير مشروع دوليًا يترتب عليه مسؤولية قانونية.


وعليه، فإن أي دعم غير مشروط لعمليات عسكرية يُشتبه في مخالفتها للقانون الدولي، يثير إشكاليات قانونية لا يمكن تجاهلها.

ثالثاً: العمليات العسكرية ومبدأ حماية المدنيين
تُعد حماية المدنيين أحد أهم أهداف القانون الدولي الإنساني، حيث:  

   •تنص المادة (48) من البروتوكول الإضافي الأول (1977) على ضرورة التمييز بين المدنيين والمقاتلين.     

•وتحظر المادة (51/5/ب) الهجمات التي تسبب أضرارًا مفرطة مقارنة بالهدف العسكري.


وفي ضوء ما شهدته العمليات العسكرية في قطاع غزة وجنوب لبنان، فإن مدى الالتزام بهذه المبادئ يظل محل جدل واسع، خاصة في ظل ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين.

رابعاً: التصعيد مع إيران ومخاطر زعزعة الاستقرار
إن النهج التصعيدي تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية يثير تساؤلات قانونية تتعلق بحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، وفق:   

  •     المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة.
كما أن هذا التصعيد أسهم في زيادة التوتر الإقليمي، ورفع احتمالات اتساع رقعة النزاع، بما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية وقانونية.

خامساً: تحديات تطبيق القانون الدولي
تكشف هذه السياسات عن إشكالية أعمق تتعلق بضعف تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، رغم وضوحها. إذ يظل تنفيذ هذه القواعد مرهونًا بالتوازنات السياسية، لا سيما داخل:   

  •     مجلس الأمن الدولي   

  •     ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة
وهو ما يحدّ من فاعلية النظام الدولي في مواجهة الانتهاكات.

خاتمة
إن التناقض بين الدعوة إلى السلام، وممارسة سياسات تُسهم في تصعيد النزاعات، يضع القانون الدولي أمام اختبار حقيقي. فالمشكلة لا تكمن في نقص القواعد القانونية، بل في غياب الالتزام بتطبيقها بشكل عادل ومتوازن.


ومن هنا، فإن تعزيز احترام قواعد القانون الدولي الإنساني يتطلب إرادة دولية حقيقية، تضع حماية الإنسان فوق الحسابات السياسية، وتعيد الاعتبار لمفهوم العدالة الدولية بوصفه التزامًا لا خيارًا.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن