29 Jun
29Jun


 بقلم الدكتور محمد مرعي الخزاعي 

في عالم السياسة والعلاقات الدولية لا تُقاس مكانة الدول بما تمتلكه من موارد أو ثروات أو مساحات جغرافية فحسب، بل بقدرتها على تحويل تلك الإمكانات إلى نفوذ وتأثير ومكانة.

 فالتاريخ القديم والمعاصر يزخر بدول امتلكت من عناصر القوة ما كان يؤهلها لأدوار إقليمية ودولية كبرى، لكنها أخفقت في توظيف تلك العناصر، فبقيت أسيرة إمكاناتها أو تحولت مواردها إلى عبء استراتيجي بدلاً من أن تكون مصدر قوة.

 وفي المقابل، نجحت دول أخرى محدودة المساحة وقليلة السكان في صناعة أدوار سياسية ودبلوماسية واقتصادية تفوق بأضعاف حجمها الطبيعي، لأنها أدركت مبكراً أن امتلاك القوة شيء، والقدرة على توظيفها شيء آخر.

 ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين مفهومي القوة والقدرة في العلاقات الدولية. فالقوة هي الوسائل والموارد التي تمكّن الدولة من التأثير في سلوك الآخرين أو فرض إرادتها عليهم، وتشمل الثروة الاقتصادية، والقدرات العسكرية، والموقع الجغرافي، والموارد الطبيعية، وعدد السكان، فضلاً عن الأدوات الثقافية والإعلامية والدبلوماسية. أما القدرة فهي الفاعلية في استخدام تلك الموارد وتوجيهها لتحقيق أهداف محددة تخدم المصالح الوطنية للدولة. 

وبعبارة أخرى، فإن القوة تمثل الإمكانات المتاحة، بينما تمثل القدرة النتائج المتحققة من حسن استثمار تلك الإمكانات. وعلى هذا الأساس، فإن الدول لا تُقاس بما تملكه من قوة فحسب، بل بما تستطيع أن تحققه من خلالها. 

فالثروة التي لا تتحول إلى تنمية ليست قوة حقيقية، والموقع الجغرافي الذي لا يُستثمر سياسياً لا ينتج نفوذاً، والقوة العسكرية التي لا تُدار بعقل استراتيجي قد تتحول إلى عبء أكثر من كونها مصدر قوة. 

لقد أثبتت التجارب المعاصرة أن الإدارة الرشيدة والمؤسسات الكفوءة والدبلوماسية الفاعلة هي التي تصنع الفارق بين الدول.

 فهذه الأدوات هي التي تحوّل عناصر القوة الكامنة إلى قدرة حقيقية قادرة على تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والمكانة الدولية. 

وتأتي الدبلوماسية في مقدمة تلك الأدوات، لأنها تمثل العقل الخارجي للدولة والوسيلة التي تُترجم من خلالها مواردها وإمكاناتها إلى مصالح ونفوذ وشراكات ومكانة. فالدبلوماسية الناجحة لا تقتصر وظيفتها على إدارة العلاقات الخارجية، بل تتجاوز ذلك إلى حماية الأمن القومي، وإدارة الأزمات، وصناعة الفرص، وتعزيز حضور الدولة في محيطها الإقليمي والدولي. فتعقُّل الدولة في توظيف الإمكانيات قوة، ودبلوماسيتها في توظيف القوة قدرة، ولعل من أبرز النماذج المعاصرة في هذا المجال التجربة القطرية. 

فهذه الدولة الصغيرة من حيث المساحة وعدد السكان استطاعت أن تبني لنفسها حضوراً سياسياً ودبلوماسياً فاعلاً تجاوز بكثير حجمها الجغرافي. ولم يتحقق ذلك من خلال التفوق العسكري أو الثقل السكاني، بل عبر رؤية سياسية استثمرت أدوات الوساطة والحوار والدبلوماسية النشطة لتجعل من قطر لاعباً مؤثراً في العديد من الملفات الإقليمية والدولية. 

وقد برز هذا الدور بوضوح في ملفات الوساطة بين أطراف دولية وإقليمية متخاصمة، ومنها القنوات المتعلقة بالتواصل بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تحولت الدوحة إلى نقطة التقاء وممر للحوار ونقل الرسائل وتقريب وجهات النظر.

 وهكذا أصبحت الدبلوماسية مصدراً من مصادر القوة الناعمة التي أنتجت قدرة سياسية تفوق كثيراً حجم الدولة التقليدي. 

وفي السياق ذاته، تقدم إيران مثالاً مختلفاً من حيث الأدوات والظروف، لكنه يلتقي مع الفكرة ذاتها. 

فعلى الرغم من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والعسكرية التي تعرضت لها لعقود طويلة، استطاعت أن تحافظ على حضورها في المعادلات الإقليمية والدولية وأن تبقى طرفاً لا يمكن تجاوزه في العديد من الملفات الحساسة.

 وما يهم هنا ليس الاتفاق أو الاختلاف مع سياساتها، بل قدرتها على توظيف ما تمتلكه من عناصر قوة لإنتاج تأثير سياسي واستراتيجي مستمر.

 العراق بين وفرة القوة وندرة القدرة إذا كانت التجارب السابقة تؤكد أهمية تحويل القوة إلى قدرة، فإن الحالة العراقية تطرح سؤالاً محورياً: لماذا تفشل بعض الدول في استثمار ما تمتلكه من إمكانات استثنائية؟ فالعراق يمتلك من عناصر القوة ما يجعله مؤهلاً ليكون أحد أبرز الفاعلين في الشرق الأوسط. 

فهو يمتلك ثروة نفطية هائلة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً يربط الخليج العربي ببلاد الشام وتركيا وإيران، فضلاً عن عمقه الحضاري والتاريخي وثقله السكاني وموارده البشرية المتنوعة. 

ومع ذلك، فإن هذه المقومات لم تنعكس بالمستوى المطلوب على مكانة العراق الإقليمية والدولية.

 فبينما كانت عواصم إقليمية عدة تتحول إلى منصات للحوار والتفاوض وصناعة التفاهمات، ظل العراق في كثير من الأحيان متلقياً لنتائج تلك التفاهمات أكثر من كونه شريكاً في صياغتها. 

وهنا تكمن المشكلة الجوهرية. فالعراق لا يعاني من نقص في عناصر القوة، بل من ضعف في تحويل تلك العناصر إلى قدرة وطنية فاعلة. 

فالمحاصصة السياسية، والانقسامات الداخلية، وضعف المؤسسات، وغياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة، كلها عوامل أسهمت في إضعاف القدرة على توظيف الموارد المتاحة وتحويلها إلى نفوذ سياسي واقتصادي ودبلوماسي. 

إن التحدي الذي يواجه العراق اليوم لا يتمثل في البحث عن مصادر جديدة للقوة، بل في إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والمواطنة والمهنية، وفي مقدمتها المؤسسة الدبلوماسية التي ينبغي أن تكون الواجهة السيادية للدولة وأحد أهم أدوات حماية مصالحها الوطنية. 

فالدبلوماسية العراقية مطالبة بالانتقال من إدارة العلاقات التقليدية إلى صناعة المبادرات وبناء الشراكات وتوظيف الموقع الجغرافي والثقل السياسي والاقتصادي للعراق في خدمة مصالحه العليا. إن الأمم لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات بقدر ما تُقاس بقدرتها على تحويل تلك الثروات إلى تنمية، والموقع الجغرافي إلى نفوذ، والتاريخ إلى قوة معنوية، والإمكانات إلى منجزات فعلية. ولهذا فإن مستقبل العراق لن يتحدد بما يملكه من موارد فقط، بل بمدى نجاحه في بناء دولة تمتلك القدرة على إدارة تلك الموارد بعقل استراتيجي. 

فالقوة وحدها لا تصنع المكانة، وإنما تصنعها القدرة على توظيف القوة في الاتجاه الصحيح. إن الفرق بين الدول الناجحة والدول المتعثرة لا يكمن في مقدار ما تمتلكه من إمكانات، بل في مقدار ما تمتلكه من حكمة في إدارتها. 

فحين تتعقل الدولة في توظيف إمكانياتها تتحول القوة إلى قدرة، وتتحول الموارد إلى إنجازات، ويتحول الوطن إلى فاعل في صناعة الأحداث لا مجرد متلقٍ لها، وشريك في رسم التوازنات لا ساحة لتجاذبات الآخرين. 

وتلك هي المعادلة التي ينبغي أن يدركها العراق وهو يتطلع إلى استعادة دوره الطبيعي ومكانته التي تليق بتاريخه وإمكاناته وموقعه في المنطقة

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن