د. محمد القريشي
في عام 1980، سألت المراسلة التلفزيونية الشهيرة رونا باريت الملياردير الشاب دونالد ترامب:"هل ترغب في أن تصبح رئيسًا للولايات المتحدة؟"فأجابها: "لا أعتقد ذلك يا رونا" ، لكنها أعادت السؤال بصيغة أخرى:"لماذا لا تُكرّس نفسك للخدمة العامة؟"فنظر إليها مُحدّقًا، وأنهى الحديث بجملة حاسمة:"لأنني أعتقد أنها حياة بائسة للغاية".
بعد سبع سنوات، وتحديدًا، صباح 22 تشرين الأول/أكتوبر 1987، حطّت مروحية سوداء لامعة، فرنسية الصنع، في مهبط عشبي جنوب نيوهامبشر. ترجل منها دونالد ترامب، وكان يبلغ آنذاك 41 عامًا، مرتديًا بدلة زرقاء داكنة وربطة عنق قرمزية. ثم استقل سيارة ليموزين مستأجرة برفقة صديقه مايكل دنبار، رجل الأعمال والناشط الجمهوري، الذي كان يرى في ذلك الوقت أن ترامب قد يكون رئيسًا جيدًا للولايات المتحدة.
انطلقت السيارة نحو مطعم قديم يُدعى "يوكنز", حيث كان يُعقد الاجتماع الأسبوعي لنادي الروتاري المحلي. وكان بانتظار ترامب حشدٌ يقارب 500 شخص، يلوّحون بلافتات كتب عليها:"ترامب 1988"، "ترامب رئيسًا", "صوّتوا لرجل أعمال من طراز ترامب".
في ذلك اللقاء، استهلّ ترامب حديثه بإعلان أنه لن يترشح للرئاسة عام 1988، وهو ما بدا مخيّبًا لآمال بعض الحاضرين، ومنهم دنبار. لكنه سرعان ما واصل خطابه بلغة مباشرة وحادة، موجّهًا انتقادات لليابان وإيران والسعودية والكويت، وكذلك لواشنطن وول ستريت، وللسياسيين والاقتصاديين، وحتى لما سماهم "الأشخاص اللطفاء"، قائلًا إنه سئم منهم جميعًا. وأضاف أن البلاد تواجه "كارثة"، وأن الولايات المتحدة "تتعرض للإهانة".
وقبل ذلك بأسابيع، في 2 سبتمبر/أيلول 1987، حجز ترامب صفحة إعلانية في جريدة نيويورك تايمز، دفع مقابلها 94,801 دولارًا أمريكيًا. نشر في هذه الصفحة رؤيته السياسية، معبّرًا عن استيائه من السياسة الخارجية الأمريكية، ولا سيما ما اعتبره استغلالًا اقتصاديًا للولايات المتحدة من قبل حلفائها مثل اليابان وبعض دول أوروبا، دون مقابل. وكتب أن البلاد تواجه "كارثة" وأن دولًا أخرى "تسخر منّا". وخلال ذلك، قدّم نفسه كرجل أعمال براغماتي قادر على إعادة التوازن إلى العلاقات الدولية من منظور "المصلحة الوطنية".
ومنذ ذلك الحين، حمل ترامب رؤيته عامًا بعد عام، حتى وصل بها إلى البيت الأبيض في ولايته الرئاسية الأولى عام 2017، ثم عاد بعد انقطاع إلى ولاية أخرى عام 2025. وخلال هذه المسيرة، كانت السياسة بالنسبة إليه "ساحة حرب" يمارسها بلغة "الكرّ"، على خلاف غيره ممن رأوا السياسة "ساحة تدافع"، يتقدمون فيها ويتراجعون، ويمارسونها بلغة الدبلوماسية وبأدوات المؤسسات.
ترامب يتهكّم، يهدّد، يمزح، يرقص، يتنمّر، ويتحدث بالأرقام والتواريخ؛ فيصدم الحلفاء، ويستفز الخصوم، ويغيّر الخرائط، ويجني الأرباح. إنها ظاهرة جديدة اجتاحت السياسة، وقلبت توازنات القوى، وهزّت مراكز الفكر.
ومن أجل فهم هذه "العاصفة", توجّه الباحث الفرنسي آلان بوير إلى الولايات المتحدة، منكبًّا على دراسة ترامب: شخصًا، ولغةً، وتاريخًا، فأنجز كتابه حوله بعنوان "ترامب: سلطة الكلمات".
وقد انتبه بوير إلى أهمية الكلمات في مسيرة ترامب، إذ تمثّل لديه ممارسةً للسلطة، لا مجرد وسيلة للتواصل. وهي، إضافة إلى ذلك، أداته الأساسية لبناء الشرعية، وحشد الأنصار، وإعادة تشكيل المجال السياسي الأمريكي.
تقوم "اللغة الترامبية", بحسب بوير، على التبسيط المقصود، والتكرار المكثّف، والاعتماد على مفردات مألوفة وقصيرة، بما يسمح بالوصول إلى جمهور واسع خارج الأطر النخبوية التقليدية.
وهي لغة لا تعكس فقرًا في التعبير، بل استراتيجية واعية تهدف إلى خلق إحساس بالقرب من "الشعب", وطرح بديل مقبول للخطاب السياسي والمؤسساتي المعقّد والمنبوذ.
ويلجأ ترامب إلى آلية خاصة في التسمية والتوصيف بوصفها شكلًا من أشكال السلطة الرمزية، إذ يستخدم ألقابًا اختزالية ومهينة لخصومه السياسيين ووسائل الإعلام، ما يسهم في إعادة تشكيل صورهم في الوعي الجمعي، واختزال هوياتهم السياسية إلى سمات سلبية يحدّدها هو.
وبهذه الطريقة، لم تعد البرامج والأيديولوجيات هي العنصر الحاسم في الفعل السياسي ، بل القدرة على التحكم في السرديات والرموز واللغة.
ويشير بوير في دراسته إلى عدم براءة هذا السلوك؛ لأن السيطرة على "التسمية" تقود في جوهرها إلى السيطرة على "المعنى".الخطاب الترامبي :
- ثنائية الطبقات: يتسم خطاب ترامب بطبقتين:
• طبقة أولى ساخرة أو هجومية، تهدف إلى صدم الآخر وتحويل الموقف إلى مواجهة "فردية".
• وطبقة ثانية عقلانية، تتضمن مطالب محددة وأرقامًا تضع الطرف الآخر في مساحة القبول، لأنها تبدو وكأنها تخرجه من المواجهة العاصفة إلى حقل المصالح.
- ثنائية البنية
يقوم الخطاب على تقسيم حاد بين «نحن» و«هم»، حيث يُقدَّم الشعب ككيان متجانس ونقي في مواجهة نخب فاسدة أو قوى داخلية وخارجية معادية. ولا يقف التقسيم عند حدود التعبئة السياسية، بل يتعداه إلى تبرير الإقصاء على أسس لغوية ورمزية. وتؤدي كلمة «نحن» وظيفة دمج الرئيس بالشعب، وخلق إحساس بالوحدة والمسؤولية المشتركة.
- ثنائية الاتجاه بين الحقيقة وعكسها
يتناول الكتاب أيضًا علاقة الخطاب الترامبي بالحقيقة والمعرفة، مبرزًا كيف تُستبدل المعايير التقليدية للحقيقة (الدليل، الخبرة، المؤسسات) بمعايير تقوم على الانطباع، والتكرار، والتصديق العاطفي.
وفي هذا النمط، يُغرق الخطاب بكمٍّ كثيف من المعلومات، قسمٌ منها مشوَّش، بما يضعف قدرة الآخر على التمحيص، وينزع عنه شرعية امتلاك الحقيقة.
وقد أظهرت دراسة مقارنة نشرتها مجلة باراديغم ريفرنس غلوبال البريطانية عام 2022، بين خطابي أوباما وترامب، أن خطاب الأول يميل إلى التأمل والتركيز الدلالي والدقة التعبيرية، في حين يتسم خطاب الثاني بالوضوح والحيوية والأسلوب المباشر في إيصال الرسائل السياسية بسرعة وتأثير.
يظهر المسار السياسي العام لترامب أن خطابه ليس عفويًا أو انفعاليًا، بل منهجيًا يستخدم التبسيط والتكرار وثنائيات التقسيم والتصوير والتسمية كأدوات سلطة. تكمن فعالية هذا الخطاب في عمله خارج الإطارات المؤسساتية والدبلوماسية التقليدية، ونقله السياسة من فضاء المؤسسات إلى فضاء السرديات، حيث يصبح السيطرة على اللغة شكلاً من أشكال السيطرة على الواقع.وأخيرًا، يلخص الان بويير شخصية ترامب،بقوله: "لا يوجد ترامب واحد، بل اثنان في شخص واحد؛ الأول ساخر وصادم، والثاني عقلاني ومفاوض".