15 Mar
15Mar


منتصر صباح الحسناوي


في أحد المجالس المحلية كان الحديث يدور عن كرامات السيد أبو عربيد، الذي يُقال إن في بستانه أفعى سوداء تحرس المكان ولا تؤذيه، لأن لديه كرامة متوارثة تمنحه هذه القدرة.


وبينما كان الجميع يتحدث بثقة عن القصة، تكلم فتى صغير من بين الجالسين الأكبر سنّاً وقال بهدوء:“العربيد أصلاً مو سام وما ياذي البشر.”ساد صمتٌ قصير في المجلس، لم يكن صوته مرتفعاً، لكنه كان كافياً لنسف أسطورة متداولة في تلك المنطقة.

تبادلت الوجوه النظرات: بين مستغرب ومصدّق ومكذّب للمعلومة نفسها.


وهنا يمكن أن يطرح السؤال البسيط:هل سأل أحدنا يوماً عن دليل هذه القصص المتوارثة؟
هذه اللحظة الصغيرة تتكرر اليوم بشكل متصاعد في كثير من المجتمعات والمواقف.


الموروث في أصله تجربة إنسانية تراكمت عبر زمن طويل، فيه خبرة الأجيال ومحاولاتهم لفهم الحياة وتنظيمها، ويمتلك قوة هادئة تجعل الأفكار تبدو وكأنها حقائق مكتملة. 

يكبر الإنسان وهو يسمعها تتكرر في البيت والشارع والمدرسة، حتى يشعر بشيء من الطمأنينة عند التمسك بها، لأنها تمنحه إحساساً بالانتماء والاستمرار.


لكن تلك الأفكار، مهما طال عمرها تبقى في الأصل محاولات بشرية لفهم الواقع، بعضها يصمد مع الزمن لأنه يثبت نفعه وبعضها يبقى فقط لأنه تكرر طويلاً حتى اعتاده الناس.

ومع مرور الوقت تختلط هذه الأمور معاً، فيصبح من الصعب التمييز بين ما يقوم على التجربة أو حقيقة وما يقوم على العادة أو الوهم أو المبالغة.
هنا يبدأ دور “السؤال”.


السؤال الذي يعيد فهم ما ورثه الناس دون هدمه، فالفكرة التي تقوى أمام السؤال تصبح أكثر رسوخاً، أما الفكرة التي لا تستطيع الصمود أمامه فربما تحتاج إلى مراجعة أو فهم أعمق لظروف ظهورها.

غير أن السؤال نفسه قد يبدو غريباً في بعض البيئات.

فالمزاج الجمعي ( وليس العقل كما يسميه الكثير ) يميل غالباً إلى الاستقرار والأفكار التي يرددها الجميع تكتسب مع الزمن قوة خاصة تقترب من القطعية.

ليس بسبب الدليل الذي يقف خلفها، بل بسبب كثرة تكرارها والاعتقاد بها.ومع مرور الوقت تتحول الكثرة إلى نوع من البرهان الاجتماعي.

لذا يجد الفرد الذي يحاول الفهم نفسه أحياناً في موقف غير مألوف، فهو لا يناقش فكرة واحدة فقط، بل يلامس شبكة كاملة من القناعات التي تشكلت عبر سنوات طويلة.وهنا يصبح السؤال بداية طريق أطول؛ طريق البحث والمقارنة ومحاولة الاقتراب من الحقيقة قدر الإمكان.


المجتمعات الحية لا يمكنها أن تنفصل عن موروثها، لأن ذلك يعني فقدان جزء من ذاكرتها الثقافية.وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن تتوقف عن البحث، لأن الواقع يتغير باستمرار، وهذا التغير هو ما يمنحها القدرة على الاستمرار.


واليوم تظهر مرحلة جديدة في هذه العلاقة.العالم يتغير بسرعة، ومعه تتغير طريقة حصول الإنسان على المعرفة. 

في الماضي كان السؤال يبدأ من البيت أو المجلس أو المدرسة، وكانت الإجابة تأتي غالباً من التجربة الاجتماعية المتراكمة. أما اليوم فقد أصبح الجيل الجديد يحمل العالم في يده.

المحمول لم يقتصر على كونه هاتفاً،  بات اليوم مفتاحاً لأبواب مكتبات كاملة وتجارب بشرية من كل مكان وبأشكال مختلفة.يستطيع أن يقرأ ويقارن ويطّلع على آراء متعددة، ثم يحاول أن يفهم بنفسه.لم تعد المعرفة محصورة في مكان واحد أو مجتمع محلي أو في صوت واحد تربّى على سماعه في البيت.


نحن اليوم أمام جيل مختلف في طريقة التفكير، جيل يميل إلى السؤال أكثر وإلى البحث بنفسه عن الإجابة. 

وفي كثير من الأحيان قد يكتشف أن بعض ما اعتبرناه يوماً حقائق ثابتة توارثناها، تحتاج إلى فهم أوسع أو قراءة مختلفة.


هذه ليست أزمة، بقدر ما هي علامة على زمن يتغير.


المجتمعات التي تدرك هذا التحول تستطيع أن تجعل كثرة الأسئلة فرصة للفهم والتجديد.

أما المجتمعات التي تخاف السؤال فقد تجد نفسها أمام جيل يبحث عن الإجابات بعيداً عنها، فنفقد الموروث والجيل معاً.


ويبقى السؤال الأهم:هل نريد جيلاً يكتفي بتكرار ما سمعه، أم جيلاً يحاول أن يفهم ما يقوله ويبحث عن معناه؟

الفرق بين الاثنين هو الفرق بين مجتمع يحفظ ما ورثه فقط، ومجتمع يعرف كيف يتأمل ما ورثه ويضيف إليه تجربة جديدة في طريقه نحو المستقبل.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن