حسين القاصد
بغض النظر عن موقفك من إيران، وبغض النظر عن فكرتك الجاهزة، لي أن أسألك وجدانياً، كم من قائد فقدته وبقيت تتمنى أن يأتي مثله؟كم من الوقت احتاجت الأرجنتين أن تكرر ( ماردونا) إلى أن ظهر ميسي؟وعلى سبيل الأدب، كم من طه حسين لدى العرب؟هذه الفردانية تكاد تكون سمة إنسانية، وهي في وجدان العرب أكثر رسوخا، فهم يردون على من يعترض عليهم بالمقولة القامعة التي جاءت على لسان أبي تمام ( ما الحب إلا للحبيب الأول) والحق يفرض أن الحب للحبيب الآخر، لكنها لحظة وفاء ذاتية من الشاعر، وربما لحظة خيبة من جديد دعت الشاعر إلى نسق التعويض واستحضار الماضي عزاءً.
المقولة القامعة هي أهم ركن من أركان الحجاج الثقافي ثم تأتي بعدها المقولات المبوصلات ( من البوصلة)؛ ولأن اللغة خوانة ومخاتلة وأداة زيف قبل أن تكون أداة تواصل، يجب على المتكلم أن يتكلم فعلاً وليس له أن يرفع صوته كسراً للنقاش.
الذي يحتاج للزعيق هو الذي يتأخر ذهنه عن استيعاب ما سمعه وعندها يعجز لسانه عن إيصال ما دار في الذهن، وهذا يعرفه جيداً أهل اللسانيات العرفانية.
حين كنت صبياً كان في العراق عمال مصريون إبان الحرب العراقية الإيرانية، وصادف أن اشتريت شيئا بـ ٤٠٠ دينار، والمصريون يلفظون هذا العدد بلهجتهم ( ربعومية) أو ( ربعمية) بمدّ ضمة العين، ونحن في العراق نسمي المبلغ ( ٢٥٠) رُبعا أي ربع دينار، فحاولت بفطرتي اللسانية وقتذاك أن أشاكسه، فأعطيته ( ٣٥٠) فقال: ( لسه باقي ٥٠) فقلت له: ربع ومية يساوي ( ٣٥٠)، فضحك الرجل.كانت تلك الحادثة حجاجا ثقافيا اعتمد الفطنة والتواضع اللهجي بين العرب.
حين استشهد نصر الله والسنوار وقادة الصف الأول في حرب الـ ١٢ يوما قال الجميع إن الكفة مالت للكيان اللقيط، وحين تكرر الأمر باستشهاد قادة الثورة في إيران بل قائد الثورة نفسه، تكرر الشعور بالإحباط؛ لكن التأسيس الصحيح فاجأ بل صدم كل التوقعات، فصال أبطال جنوب لبنان بقوة مرعبة لم تعرف من قبل، أما إيران فقد جعلت أمريكا تطلب التفاوض مع من كانت قد وضعتهم على قائمة الإرهاب.
تلك هي صناعة البديل عسكريا، وإيران ليست بحاجة لبديل إعلامي أو تحليلي، وهي ليست بحاجة أن تتكلم في القنوات التي تعد معادية لها؛ لكنها فاجأتنا بالدكتور (حسن أحمديان) لتضيف نصراً خطابيا لسانيا حجاجيا يشتغل في منطقة الحجاح الثقافي الذي سبق أن نظرت له في كتبي السابقة، منها ( الواقعية الثقافية) و ( أسئلة النقد الثقافي) و ( قيامات النزوح).
حين تصاب بخيبة من عدم تحقيق ما تريد يقمعك أحدهم بقول أبي الطيب:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
لكن لا أحد تجرأ وقال لأبي الطيب: ماذا لو اتفقت الرياح مع السفن ؟ أليس لدينا في العراق مقولة دافعة ( روح والهوا بظهرك) ؟أعود لرأس أمري وظاهرة حسين أحمديان، وقد تابعته ممكناً لسانياً يجيد أكثر من لغة إلى الحد الذي فهم ما تقول الضيفة التي معه وكانت تتكلم بالانجليزية، فقال لها باللغة العربية: تأدبي، ليستفزها ويوبخها بهدوء مخاتل فضحها انها تفهم العربية وتجيدها.
أحمديان لم يتكلم بحجاج الفرق والطوائف ولم يفاضل بين طائفته والمذاهب الأخرى، لم يفعل ذلك حتى حين استفزه البعثي الطائفي الذي عاث فسادا في كلية الآداب جامعة بغداد، المنحل أخلاقيا ( لقاء مكي)، بل ظل أحمديان يطلق رصاصا ناعماً على زعيق من يفقد العلاقة بين برهانه ولسانه.هل كانت إيران بحاجة إلى لسان باليستي مثل أحمديان ؟الجواب: لا، بل علم تحليل الخطاب واللسانيات والعلوم السياسية كلها تحتاج هذه الحنكة الخطابية الهادئة المميتة.
١٣ / ٤ / ٢٠٢٦