لم يكن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة مجرد خطوة دستورية عابرة،
بل جاء كاستجابة سريعة لمرحلة مضطربة تبحث فيها القوى السياسية عن مخرج، لا عن خيار.
فالزيدي، وهو الأصغر عمراً والأول الذي يأتي من خارج الوجوه السياسية التقليدية، يحمل في شخصه رسالة مزدوجة: رغبة في التجديد، ومحاولة للهروب من إرث التراكمات الثقيلة التي أثقلت كاهل الدولة.
لكن المشكلة في العراق لم تكن يوماً في الأشخاص وحدهم، بل في اللحظة التي يُدفع فيها هؤلاء إلى الواجهة. الزيدي لم يأتِ في ظرف طبيعي، بل في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً.
إقليمياً، تقف المنطقة على حافة هدوء هشّ، لا يمكن الاطمئنان إليه. فالحرب بين إيران وخصومها لم تنتهِ فعلياً، بل توقفت عملياتها العسكرية، بينما بقيت أسبابها قائمة، وربما أكثر توتراً.
أما الخليج، الذي اعتاد قدراً من التماسك، فيعيش اليوم انقساماً غير مسبوق، ينعكس مباشرة على توازنات المنطقة كلها، ومنها العراق. في هذا السياق، لم يكن مستغرباً أن تسارع الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى دعم تكليف الزيدي، بل أن يتصل به الرئيس الأميركي شخصياً.
هذا الدعم، رغم أهميته، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد إسناد لحكومة جديدة، بل هو أيضاً تعبير عن توقعات واضحة، وربما ضغوط مؤجلة. وهنا تبدأ العقدة الحقيقية. فالزيدي مطالب، من جهة، بأن يثبت أنه قادر على إدارة دولة تبحث عن الاستقرار، وأن يقدم نموذجاً مختلفاً عن حكومات سابقة.
ومن جهة أخرى، يجد نفسه أمام مطالب خارجية تدفع باتجاه خطوات حازمة ضد الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، في وقت لا يمكن فيه تجاهل حقيقة أن هذه الفصائل ليست خارج النظام، بل جزء منه، حضوراً سياسياً وبرلمانياً، وربما حكومياً أيضاً. إنها معادلة شديدة الحساسية:
كيف يمكن لحكومة أن تُرضي الخارج دون أن تفقد توازنها في الداخل؟
وكيف يمكن لها أن تتعامل مع قوى تمتلك شرعية سياسية من جهة، وسلاحاً مؤثراً من جهة أخرى؟ لكن التحدي لا يقف عند السياسة والأمن.
فالاقتصاد يفرض نفسه كأكثر الملفات إلحاحاً. انخفاض العائدات المالية، نتيجة غلق مضيق هرمز، يضع الحكومة أمام اختبار يومي: القدرة على تأمين الرواتب والخدمات الأساسية، في ظل غياب أفق واضح لإنهاء الأزمة.
وهنا لا يعود الحديث عن إصلاحات بعيدة المدى، بل عن إدارة أزمة قد تتحول بسرعة إلى أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع. في ظل هذه التعقيدات، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل سينجح الزيدي؟
بل: ما هي حدود النجاح الممكن أصلاً؟ إن الحكومة المقبلة لن تُختبر بقدرتها على اتخاذ قرارات كبرى فقط، بل بقدرتها على إدارة التوازنات دون أن تتحول إلى طرف في الصراع.
فالعراق، في هذه المرحلة، لا يحتمل حكومة تنحاز بالكامل، كما لا يحتمل حكومة تتردد حتى الشلل. الفرصة التي يملكها الزيدي تكمن في شيء واحد:
أن يتحول من رئيس حكومة يُدير الضغوط، إلى رئيس حكومة يُعيد تعريف أولويات الدولة. فإذا استطاع أن يجعل من الاستقرار الاقتصادي أولوية لا تخضع للمساومة،
ومن سيادة القرار العراقي إطاراً لا يُستخدم في الصراع بل لضبطه،
فقد يكون أمام تجربة مختلفة فعلاً. أما إذا انزلق إلى إدارة التناقضات دون رؤية،
فإن حكومته ستتحول، مثل كثير من الحكومات السابقة، إلى مجرد محطة في سلسلة الأزمات. في العراق اليوم، لا يكفي أن تقف الحكومة بين المواقف،
بل عليها أن تمنع البلاد من الانزلاق إلى أحدها.
سامي العسكري
كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة