منتصر صباح الحسناوي
عندما نقرأ التاريخ بهدوء، نلاحظ أن أخطر فكرة يمكن أن تقوم عليها دولة هي اختزال المجتمع في هوية واحدة: قومية واحدة، دين واحد، عِرق واحد.
تبدو الفكرة في بدايتها قوية وجذابة، لأنها تمنح الناس شعوراً واضحاً بالانتماء وتقدّم تعريفاً بسيطاً: نحن هكذا، ومن ليس كذلك فهو خارج الإطار.
غير أن هذا الوضوح يخفي حقيقة أن المجتمع أكثر تعقيداً وتنوعاً مما يبدو.المشكلة لا تكمن في الاعتّزاز بالقومية أو احترام الدين أو الحفاظ على الخصوصية الثقافية، فهذه عناصر طبيعية في حياة الشعوب.
الإشكال يبدأ عندما تتحوّل إحدى هذه الروابط إلى تعريف حصريّ للدولة، فتغدو الدولة ملكاً لهوية واحدة ويصبح المختلف موضع شكّ حتى لو كان مواطناً كامل الحقوق.
في البداية قد يبدو المشهد متماسكاً، ولا سيّما بظهور عدوّ خارجيّ أو حلمٍ كبير يوحّد الناس ويمنحهم شعوراً بالهدف، لكن مع الوقت يتحوّل الحلم إلى معيار صارم للولاء ويُعاد تعريف الانتماء وفق درجة القرب من الهوية الرسمية. عندها تفقد المواطنة معناها المتساوي ويصبح القانون قابلاً للتأويل بحسب الانتماء وتتحوّل الدولة من بيتٍ جامع إلى أداة تصنيف.
التاريخ يقدّم شواهد واضحة "ألمانيا النازية" بَنَت مشروعها على فكرة التفوّق العِرقي، فخلقت تعبئة هائلة انتهت بصدامٍ مع العالم وانهيارٍ داخليّ شامل. ويوغوسلافيا حاولت فرض هوية جامعة فوق فسيفساء قومية معقّدة، فبدا البناء مستقراً إلى أن كشفت الأزمات هشاشته وتفكك من الداخل.
تتكرّر الفكرة اليوم بأشكال مختلفة في كيانات تُعرّف نفسها دينياً أو قومياً أو عِرقياً وتستمد شرعيتها من هذا التعريف الضيق.
وغالباً ما تجد صعوبة في إدارة تنوعها الداخلي أو بناء علاقة مستقرة مع محيطها، فينشأ شعور بالاغتراب: مواطن لا يشعر بالاطمئنان الكامل في وطنه ولا يجد انسجاماً سهلاً مع العالم من حوله.
في المقابل، تقدّم الدولة الوطنية الحديثة تصوراً مختلفاً. هي لا تنكر الانتماءات، لكنها تضعها داخل إطار أوسع اسمه “المواطنة”.
لا يُطلب من الناس أن يتشابهوا، بل أن يتساووا أمام القانون. التنوّع يُدار بعدالة والاختلاف يُفهم كجزءٍ طبيعي من أي مجتمع حيّ.
في المجتمعات المركّبة وهي الغالبة في عالم اليوم، يكون اختزال الهوية مخاطرة كبرى، أما بناء النظام على عقدٍ اجتماعيّ واضح يساوي بين الجميع، فيمنح الدولة قدرة أكبر على التكيّف والاستمرار.
الدرس الذي يكرره التاريخ بسيط في معناه، عميق في نتائجه:الدولة التي تضيق بتنوع أبنائها، تضيق بنفسها.والدولة التي تتسع للجميع، تمنح نفسها فرصة أطول للبقاء ومساحة آمنة لكل من يعيش فيها.