24 Mar
24Mar


في كل مرة تندلع فيها مواجهة كبرى في الشرق الأوسط، ينشغل كثيرون بمتابعة خرائط العمليات العسكرية، وتوازنات القوة بين الأطراف المتصارعة، واحتمالات الربح والخسارة. 

لكن الدول التي مرت بتجارب قاسية، مثل العراق، لا تملك ترف متابعة الحرب بوصفها خبراً خارجياً، لأن أي صراع إقليمي يتحول تلقائياً إلى اختبار داخلي لقدرتها على حماية استقرارها.

العراق ليس طرفاً في هذه المواجهة، لكنه ليس بعيداً عن تأثيراتها. موقعه الجغرافي، وتشابك علاقاته الإقليمية، وطبيعة توازناته الداخلية، تجعل من أي تصعيد في المنطقة عاملاً قد يفرض عليه تحديات سياسية وأمنية واقتصادية، حتى لو لم يشارك فيه بشكل مباشر.

التحدي الحقيقي أمام الدولة العراقية اليوم ليس في قراءة نتائج المعركة بقدر ما هو في إدارة تداعياتها.

 فالتجارب السابقة علمتنا أن أخطر ما قد تواجهه الدول التي تقع في مناطق التوتر ليس الحرب نفسها، بل الانعكاسات غير المحسوبة لها على الداخل، حين تتحول الانقسامات الإقليمية إلى اصطفافات داخلية، وحين يصبح ضبط التوازن الوطني أكثر صعوبة تحت ضغط الأحداث المتسارعة.

لهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يكون حاضراً في ذهن صانع القرار العراقي ليس: من سيتقدم في هذه الحرب؟ بل: كيف نمنع أن تتحول تداعياتها إلى عامل إرباك جديد للدولة العراقية؟

الدول التي تنجح في عبور العواصف الإقليمية ليست بالضرورة الأقوى عسكرياً، بل تلك التي تمتلك وضوحاً في أولوياتها الوطنية، وقدرة على ضبط إيقاعها الداخلي، ومنع انتقال صراعات الآخرين إلى ساحتها. 

وأول هذه الأولويات دائماً هو الحفاظ على استقرار الدولة، لأن خسارة الاستقرار تعني فتح أبواب أزمات لا يمكن التحكم بمساراتها.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول في مثل هذه الظروف هو تعدد مراكز القرار، أو تضارب الرسائل السياسية، لأن الأزمات الإقليمية تحتاج إلى خطاب دولة واضح، لا إلى مواقف متباينة تعكس انقسامات الداخل. فكلما بدا الموقف الداخلي متماسكاً، تقلّ فرص استدراج البلاد إلى مسارات لا تخدم مصالحها.

كما أن من الدروس التي تعلمتها المنطقة خلال العقود الماضية أن الدول التي تنجح في تجنب تداعيات الصراعات هي تلك التي تعطي الأولوية لمصالحها الوطنية العليا، وتتعامل مع الأحداث بمنطق الدولة لا بمنطق العاطفة، وبحسابات الاستقرار لا بحسابات ردود الأفعال.

وفي حالة العراق، فإن هذا يعني أن تبقى البوصلة متجهة نحو حماية الداخل: حماية الاستقرار الأمني، وتحصين الجبهة السياسية، ومنع أي توترات قد تستغلها الظروف الإقليمية لتوسيع فجوات قائمة أو خلق أزمات جديدة.

كما ينبغي الانتباه إلى البعد الاقتصادي، لأن الحروب في المنطقة لا تبقى محصورة في الميدان العسكري، بل تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة، وحركة التجارة، والاستثمارات، وهو ما يتطلب درجة عالية من اليقظة في إدارة الملفات الاقتصادية، حتى لا تتحول التوترات الخارجية إلى ضغوط إضافية على الوضع الداخلي.

إن قوة العراق في مثل هذه اللحظات لا تقاس بمدى اقترابه من هذا الطرف أو ذاك، بل بقدرته على الحفاظ على توازنه، وتجنب الانجرار إلى صراعات لا تخدم مصالح شعبه، وتركيزه على أولوياته الوطنية التي لا يجوز أن تتغير بتغير الأزمات.

وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن العراق يدفع كلفة مضاعفة كلما تحولت أزماته الداخلية إلى امتدادات لصراعات الخارج، بينما يربح مساحة من الاستقرار كلما نجح في الفصل بين مصالحه الوطنية وبين تجاذبات الإقليم.

لهذا فإن الحكمة السياسية في مثل هذه الظروف لا تعني الابتعاد عن محيط العراق أو تجاهل ما يجري فيه، بل تعني إدارة العلاقة مع هذه التطورات بعقل بارد، ورؤية تضع مصلحة الدولة فوق أي اعتبار آخر.

إن المرحلة الحالية قد تكون اختباراً جديداً لقدرة العراق على ترسيخ معادلة بسيطة لكنها عميقة: أن قوة الدولة تبدأ من تماسكها الداخلي، وأن أفضل ما يمكن أن تفعله الدول أثناء اشتداد العواصف هو أن تحصّن بيتها أولاً.ففي زمن الحروب الكبرى، لا يكون السؤال الأهم كيف تتغير خرائط النفوذ، بل كيف تحافظ الدول على استقرارها وسط هذا التغيير. 

وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يقف أمام العراق اليوم، كما وقف أمامه في محطات سابقة، وسيبقى معياراً لنجاح تجربته في بناء دولة قادرة على حماية نفسها من ارتدادات صراعات الآخرين."في منطقة لا تهدأ صراعاتها، تبقى قدرة الدولة على حماية توازنها الداخلي هي شكلها الحقيقي من أشكال السيادة."

 سامي العسكري
كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن