حنان الكناني
استوقفتني وأنا أشرع في كتابة هذا المقال مقولة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب التي تنص: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟». فالتأمل في هذا القول يكشف عن مبدأ حقوقي وسياسي في آنٍ واحد. فالحرية، كما يعلم الجميع، هي الفطرة التي يولد الإنسان عليها دون قيد أو شرط. والأصل في الأشياء الإباحة ما لم يُقيد بنص قانوني أو تشريعي. فالحرية هي الأساس الذي تُبنى عليه قيم العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع، ومن دونها تصبح تلك القيم شعارات تفتقر إلى التطبيق الحقيقي.
فالحرية مرت، وعلى مدى سنوات طويلة، بمخاضٍ عسير لتنتقل من مجرد قيمة أخلاقية وإنسانية إلى حقوق دستورية تكفلها دساتير الدول. ومثالًا على ذلك الدستور العراقي، حيث نصت المادة (38) على ضمان حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، بما لا يخل بالنظام العام والآداب. كما تضمنت دساتير عربية عديدة نصوصًا تؤكد حق المواطنين في التعبير عن آرائهم والمشاركة في الحياة العامة، باعتبار ذلك أحد الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة.
ومن ضمنها دستور المملكة المغربية، إذ ينص الفصل (25) من الدستور المغربي لسنة 2011 على أن: «حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها». كما جاء في الفصل (28) أن: «حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية»، وأن للجميع الحق في التعبير ونشر الأخبار والأفكار والآراء بحرية، في الحدود التي ينص عليها القانون.
غير أن السؤال الأهم يبرز حول حقيقة تطبيق تلك المواد المنصوص عليها في الدساتير على أرض الواقع بالنسبة للناشطين الحقوقيين وأصحاب المطالب السياسية. فهل تتحول الحقوق التي كفلها القانون إلى مجرد حبر على ورق؟ وهل يسلم المطالبون بها من التضييق والاعتقال والملاحقة عند المطالبة بتلك الحقوق التي سُلبت منهم أو عند مناقشة واقع سياسي فُرض بالقوة؟
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الجدل القائم حول أوضاع النشطاء والمعتقلين الصحراويين المطالبين بحق تقرير المصير في الصحراء الغربية، وهي القضية التي ما زالت ترافقها خلافات سياسية وقانونية منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 1991.
وبحسب منظمات حقوقية وجمعيات متابعة لملف الأسرى الصحراويين، يتوزع معتقلو مجموعة أكديم إزيك على عدد من السجون المغربية، أبرزها القنيطرة وتيفلت وآيت ملول وبوزكارن، فيما لا يوجد رقم موحد ومتفق عليه دوليًا لعدد جميع المعتقلين الصحراويين. وقد أُفرج مؤخرًا عن الطالبين الصحراويين إبراهيم بايت وصلاح الدين الصبار بعد قضائهما نحو ستة أشهر في السجن، وفق ما أفاد به نشطاء حقوقيون صحراويون عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن أبرز الشكاوى التي ترد من معتقلي الرأي نقلهم إلى سجون أبعد عن مدينة العيون، مما يصعّب على عائلاتهم إجراء الزيارات الدورية لهم. والسؤال هنا: كيف يقضي المعتقل سنوات عمره بعيدًا عن داره وأطفاله، ولأي سبب؟ فقط لأنه أدلى برأي سياسي؟
كما تتحدث تقارير حقوقية عن عدم توفير الرعاية الطبية الكافية في بعض الحالات التي تتطلب متابعة صحية مكثفة، فضلًا عن شكاوى تتعلق بالحبس الانفرادي لفترات طويلة، حيث يقضي المعتقل ساعات وأيامًا دون تواصل بشري كافٍ، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على حالته النفسية والذهنية، وذلك بحسب تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بشأن معتقلي مجموعة أكديم إزيك.
وفي المقابل، نفت السلطات المغربية أمام الأمم المتحدة هذه الاتهامات، مؤكدة أن المعتقلين الصحراويين يُعاملون وفقًا للقانون المغربي.وفي الختام، يبقى ملف المعتقلين الصحراويين من أكثر الملفات شائكةً، ولا يزال حلُّه مستعصيًا، حيث تتصارع فيه السياسة مع القانون، وحرية الرأي مع حدود التطبيق الفعلي لها. ويبقى الباب مفتوحًا أمام الضمير الإنساني قبل السياسي: كيف يمكن الحديث عن عدالة مكتملة، بينما يظل إنسانٌ يدفع ثمن رأيه وحريته؟